بالضم والكسر لكثرة تراجع الكلام فيها ، لكن الخطبة تختصّ بالموعظة والنعت منه خاطب وخطيب معا ، وبالكسر يختصّ بطلب المرأة ، والنعت منه خاطب لا غير ، والفعل منهما خطب يخطب ، وقوله : غير مسقط منصوب على الحال ، وخاطب صفوتي أيضا حال بعد حال .
يقول : لما أبقيت من نفسك بقيّة وطلبت لذّتها من جهة البصر أوّلا ، ومن جهة السمع ثانيا ، ثم ادّعيت هذه الدعاوى وزوّقت الكلام وأظهرت الفصاحة فيها ، علم بذلك أنك من حيث تلك البقية من نفسك صاحب وجاهة وطالب حشمة في دنياك وآخرتك ؛ لأن من جملة خواص النفس أنها لا تخلو من ذلك أبدا ما دامت بقيّة منها باقية ورتبة الاصطفاء والاجتباء الحاصلة من جانب جنابنا ، أعني رتبة الولاية والمحبة الحقيقية تأبى الوصول إليها ، مع غبار آثار الخلقية والأغيار على أذيال الأسرار ، وأن الدنيا والآخرة مع جميع ما يتعلق بهما لا تزال متّسمة بسمة الخلقية والغيرية ، فلا سبيل إلى رتب وصلنا وحقيقة حبّنا لمن له أدنى تعلّق بالدنيا والآخرة ؛ بل سبيل طالب قربتنا وطريق خاطب صفوتنا التجرّد والتفرّد بالكلّية عنهما وعما يتعلق بهما ، والتحقق بالفقر والخلوّ التام عمّا سوى حضرة محبوبيتنا بحيث يكون متحقّقا بسواد الوجه من جهة فناء نفسه بالكلّية عينا وأثرا ، فلا ظهور له بوصف الجاه والحشمة والفضيلة في الدنيا والآخرة لدى أهليهما ؛ لأن ذلك الوصف لا يقوم إلّا بالنفس أو ببقيّة منها ، وحيث لم يبق لنفسه ظهور عين ولا أثر لم يكن لصفة الجاه والحشمة والفضيلة محلّا يظهر به ، ويبدو في نظر أهل الدنيا والآخرة ، فيكون هذا الفقير من هذا الوجه أسود الوجه في الدارين عند أهليهما ؛ لعدم ظهور أثر بقية من نفسه وصفاتها عندهم ، وأنت أيها المدّعي حقيقة حبّنا بإبقاء بقية من نفسك ، وطلب اللذّة بها وبإظهار هذه الدعاوى وإضافة فضيلة الصبر والشكر ، ورؤية المحنة منحة ، والتحقّق بحقيقة السير والسلوك والفناء إلى نفسك لا إلى خالقها فيك حالك تحكي بأنك غير مسقط لجاهك في داريك ، وغير متحقّق بسواد الوجه فيهما وعند أهليهما ، وغير متّصف بالفقر والخلوّ التامّ عن أحكام الغيرية والخلقية ، وهذه الأوصاف والأحوال - أعني الفقر وسواد الوجه في الدارين وإسقاط الجاه فيهما - هي من شرائط التحقّق برتبة الاصطفاء والاجتباء ، وأنت حال خلوّك عن هذه الأحوال وتلبّسك بحال عدم إسقاط الجاه وبياض وجهك في الدارين جئت خاطب أبكار أسرارنا وصفوة وصلنا ، فانظر كيف حالك وحظّك من ذلك .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 255
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢٥٥