وبين يدي نجواك قدّمت زخرفا تروم به عزّا ، مراميه عزّت
قوله : بين يديك يستعمل في الزمان ، ومعناه : متقدما لك ، وفي المكان معناه : قدامك وقريبا منك سواء كان المكان صوريّا أو معنويا ، والمراد ههنا المعنوي ، والنجوى : أصله المصدر ، ومنه ناجيته ، أي : ساررته ، والزخرف : الزينة المموّهة ، قوله : بين يدي نجواك ظرف قدمت زخرفا ، والباء في به للاستعانة ، والضمير فيها راجع إلى الزخرف ، وفي مراميه إلى عزّا .
يقول : وقدمت قدام سدّ تمنيك وطلب حظّك وهواك دعوى وكلاما مذوّقا ظاهره مزين بالفصاحة وباطنه ، ومعناه بلا طائل بل غرور وباطل ، أعني جعلت هذا الكلام المذوق والدعوى المموّه آلة ووسيلة تطلب به عزّا ، أي رتبة عالية وحالة منيعة من أن يغلبك شيء أو يقهرك أمر ، وهو قربي ووصلي وحقيقة حبّي الذي مواضع إصابة المقصود منه امتنعت عن الإدراك والوصول إليه جدّا ، فإن حواليها حصن منيع من حكم « سبحان من لا يوصل إليه إلّا به » ، وحرز حريز من مقتضى نصّ
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
[ الأنعام : الآية 91 ] .
وجئت بوجه أبيض ، غير مسقط لجاهك في داريك خاطب صفوتي
البياض : لون باسط ناشر لضوء البصر ، كما أن السواد قابضه ، ولهذا المعنى ظهر التضادّ بينهما ، وتقول العرب : إن البياض أفضل الألوان والسواد أهولها ، والحمرة أجملها ، والصفرة أشكلها ؛ ولما كان البياض عندهم أفضل الألوان عبّروا عن بدوّ فضيلة شخص عند شخص ، وعن عدم تدنّس عرضه بمعاب ورذيلة ببياض وجهه عنده ، فقيل : فلان أبيض الوجه بين قومه .
وأمّا إذا لم تبد منه فضيلة ، بل بدا بوصف الحرمان عن الفصائل عند القوم ، فإنه يقال : فلان أسود الوجه عند القوم ، ولهذا المعنى قيل : الفقر سواد الوجه في الدّارين ، حيث إن الفقير هو الذي لم يضف شيئا من أوصافه الظاهرة والباطنة والفضائل الدينية والدنيوية إلى نفسه ، بل يضيفها إلى فعل موجدها وإيجاده إيّاها فيه شاء أم أبى ، ولم يبدو الفقير أيضا بشيء من الفضائل بين أهل الدنيا وبين أهل الآخرة لاستغراقه في بحر الفناء والمحو وخلوّه بالكلّية عن عينه وأثره ، فكان أسود الوجه عند نفسه وعند أهل الدنيا وعند أهل الآخرة ، لذلك كان الفقر سواد الوجه في الدارين ، والخطب والمخاطبة والتخاطب : المراجعة في الكلام ، ومنه الخطبة