تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
أمّا باب التجلّي الفعلي والظاهري ، فإنما هو الحبّ المفني العبد عن رؤية فعله وعن إضافة الحكم والتأثير إلى نفسه بعد إزالة جميع أحكام الانحرافات عن قوله وفعله واعتقاده ، وتحقّقها بالوحدة والعدالة بحكم ملازمة الأمر والنهي الشرعي ، والتزامها أحكام الشريعة والطريقة بحكم الإرادة على نحو ما عيّن له مراده الذي هو شيخه ومقتداه بعد حمل النفس على الإعراض عن جميع الأغراض العاجلة والآجلة حتى عن رؤية هذا الإعراض وإضافته إليها . وأمّا باب مرتبة التجلّي الصفاتي أو الباطني ، فإنما هو الحب المفني السالك عن جميع صفاته الظاهرة فيه والباطنة النفسية والروحية ، وعن رؤية شيء منها مضافا إليه بحيث لا يداخله في إظهار شيء منها حظ نفساني أو روحاني حتى عن طلبه وحبّه ، وإضافة ذلك إليه . وأمّا باب التجلّي الجمعي الذاتي ، فإنما هو حب ذاتي حقيقي يفني السائر عن عينه وأنيته الذي كان اسمه ورسمه ووصفه تابعة لتلك الأنية ، والدليل على كون الحبّ في مراتبه باب هذه البيوت ، قوله : « حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه وبصره » « 1 » الحديث ، وقرع هذه الأبواب إنما يكون بعزم صحيح على الخوض في لجج الفناء والتسليم والانقياد لجميع أحكام الحبّ ومقتضياته وعدم التلفّت والتطلّع إلى شيء سوى المحبوب من حظ النفس والروح وأحكام البشرية والخلقية بالكلّية ، فلم ينفتح باب من هذه الأبواب بدون هذه النوع من القرع ، فكل من قرعه بسوى ذلك يبقى الباب مسدودا ويرجع القارع عنه مخيبا مردودا ، فإذا عرفت هذا ، فنقول : إنك أيها المدعي أتيت بقدم همّك وتمنّيك بيوت مراتب وصلي التي هي تجلّيات أسمائي وصفاتي ، وقرعت هذه الأبواب بيد هواك وتمنّيك ودعواك متطلّعا إلى الغير ومتلفتا إلى السوى الذي هو عين حظوظك ، وهذه الأبواب لم تفتح أبدا بقرع مثلك ومثل قرعك الغير المناسب لهذه الأبواب ، بل هي تسدّ بهذا القرع أقوى سدّ ، وتمنع أشدّ منع ولا يقدر أحد أن ينال بيتا من هذه البيوت من ظهره الذي هو ثبوت آثار الغيرية وبقايا بقيّة من أحكام الخلقية ، ورؤية شيء من ذلك ، والخلوّ عن الحبّ المناسب لكل مرتبة من المراتب المذكورة .
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .