تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
الشيء وتفتيته ، ويستعمل في القطع وهو المراد ، ومراما مفعول رمت والباء لتعدية تطاولت ، وكذا إلى ، والضمير في إليه عائد إلى مراما ، وفي جذت إلى الأعناق . يقول : إنك فيما قلت وادّعيت طلبت مطلبا منيعا ، وقصدت مقصدا عزيزا هو جناب وصلي وحقيقة حبّي الذي قد تطلّعت إلى دون ذلك الجناب ، وأنزل منه مقاما ورتبة وهو لامع من لوامع أسمائي وصفاتي ، وباد من بوادي سرّ جمالي وشعاع من أشعة أسراري قوم من الطالبين وجمع من الراغبين ، فانقطعت آمالهم دون الوصول إليه ، وانتهت آجالهم قبل الدخول عليه . قلت : أشار بهذا إلى أقوام دخلوا في الطريق وشرعوا في السير وشاموا برقّ الحب وخاضوا في نهر طوره الأول ، وانتهضوا لطلب الوصل ، فلمّا توسّطوا النهر غمرهم سيول قهر البلاء والعناء وقهرهم شمول ضرّ الفناء ، بحيث عاموا في مسيل الرّدى والموت حتى أدركهم الغرق ، وحاموا حول حمى الهلك والفوت حتى أهلكهم الحكم الذي سبق .
أتيت بيوتا لم تنل من ظهورها ، وأبوابها ، عن قرع مثلك ، سدّت النيل : ما يناله الإنسان ، يقال : نلته إنالة نيلا ، وظهور البيوت : هي ما وراء وجوه أبوابها من قولهم : هم أقران الظهر للذين يأتون من ورائك ، والقرع : ضرب شيء على شيء ، والمثل أعمّ من الندّ المختص بالمشاركة في الجوهرية ، والشكل المختصّ بالمشاركة في القدر والمساحة ، والشّبه المختص بالمشاركة في الكيفية ، والمساوي المختص بالمشاركة في الكمية ، والمثل عام في جميع ذلك ، ولهذا لما أريد نفي المشاركة من جميع الوجوه ، قيل :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشّورى : الآية 11 ] ، وأصل السدّ أخذ ثلمة الجدار ، واستعمل في مدارك الخلل ، ثم استعمل في غلق الباب والمنع عن الدخول ، وهو المراد ههنا ، وحرف عن متعلق بسدّت بتضمين معنى منعت .

المعنى

: اعلم أنّ كلّيات مراتب الوصل بالتجلّي ثلاث كل واحدة تشتمل على مراتب شتّى جزئية ، أحدها : التجلّي الفعلي ، والثاني : الأسمائي ، أو قل الصفاتي ، وثالثها : الذاتي ، أو قل الظاهري والباطني والجمعي بينهما ، وكل واحد منها له باب مخصوص لا يمكن الدخول فيها إلّا من ذلك الباب .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 252 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني