تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
وكيف بحبّي ، وهو أحسن خلّة تفوز بدعوى ، وهي أقبح خلّة كيف : كلمة استفهام يسأل عن كيفية الشيء ، وتستعمل في نفس الاستخبار على سبيل التنبيه أو التوبيخ ، وهو المراد ، والخلّة - بالضم - : الحبّ ، وبالفتح : الخصلة ههنا ، والفوز : الظفر بالخير مع السلامة ، والدعوى : بمعنى الادّعاء ههنا ، وهو أن تدّعي شيئا أنه لك صدقت أم كذبت ، والباء في قوله : بحبي وبدعوى متعلقة بتفوز ، لكن في الأول للتعدية ، وفي الثاني للاستعانة ، والواوان في وهو وهي كلاهما للحال ، بيان هيئة الفاعل والعامل فيهما تفوز . يقول : إن الدعوى إذا صدق فيها المدّعي هي من جملة القبائح لتضمّنها رذائل خسيسة منها الكبر والعجب والكذب أيضا من جهة الحقيقة ؛ لإضافته إلى نفسه ما ليس له ، كالملك والفعل والقول والحال ، فإن جميع ما ذكرنا في الحقيقة ليس إلّا للفاعل الحقّ الذي لا شريك له في شيء من ذلك . وأمّا إذا كان المدعي كاذبا فيها ، فالدعوى أقبح وأضرّ وأشنع لاستلزامها الغرور والتغرير ، وكون المدّعي كمستسمن بورم ولابس ثوبي زور زيادة على الكبر والعجب ، وأن الحبّ هو من محاسن الأوصاف والأحوال ، وإن كان مجازيا بحكم تعلّقه بالأغيار لاستلزامه فضائل نفيسة ، وهي السخاوة والعفّة والشجاعة والإعراض عن الأغراض المتكثّرة المختلفة ، وقطع التعلقات المتفرّقة المفرقة وجعلها تعلّقا واحدا وحدانيّا ، فإن الحب يحمل المحبّ على بذل المال والنفس طمعا في نيل وصل محبوبه ، ويحمله على العفّة لشغله بطلب محبوبه ومطلوبه عن قضاء شهوته وتزهده في غير محبوبه من المال والجاه وغيرهما ، ويشجعه بحمله على الخوض في غمرات الأهوال طمعا في الوصال . وأمّا الحب الحقيقي المتعلّق بجناب قدسي وحضرة وحدتي ، فهو الأجمل والأكمل لاستيجابه السعادة العظمى والسيادة الكبرى من القرب والوصل الحقيقي ، والتحقّق بالكمال الأصلي ، وإذا كان الأمر كما تقرّر فكيف تظفر أنت بحبّي حال كونه هو الأحسن والأكمل ، وأنت متلبّس بحال جعلك الدعوى التي هي أنقص الخصال وأقبحها وأرذلها وسيلة وآلة في ذلك المقصد الأعظم الذي هو الظفر بحبّي ، ولم يقدم على مثل هذا الأمر الوضيع الشنيع إلّا من كونه ضالّا في سبيل طلبه جائرا في تحقيق إربه جاهلا بعلوّ مطلوبه درجة وبنقصان رتبة نفسه ، مغرورا بأمانيها الخسيسة وتلبيسها ، مغلوبا في تغريرها وتدسيسها .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 249 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني