تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
محبوبا سواها لكن من جهة كون ذلك الغير ذريعة لنيل حظوظ نفسك الكامنة المتعلّقة بذلك المحبوب بحيث ترضى بترك الحظوظ واللذّات التي لا تتعلق بذلك المحبوب لتنال كمال الحظوظ المتعلقة به نحو لذّة مشاهدته وسماع خطابه المستطاب وغير ذلك ، وحينئذ لا يكون مطمح نظرك أيضا في الحبّ إلا نفسك ، ومنتهى طريق الحب إفرادك محبوبك بالكلّية عمّا سواه في المحبوبية والمطلوبية مخلصا من جميع الشوائب ، وحيث كنت متطلّعا إلى شيء من حظوظك الخفيّة والبقية منها ؛ لا جرم كنت مقتصدا لا سابقا في الحب ولا ظالما .
وغرّك ، حتى قلت ما قلت ، لابسا به شين مين ، لبس نفس تمنّت غرّك ، أي : أصاب غربك ، أي غفلتك ، والشّين : العيب ، والمين : الكذب ، والمنقول من نسخة مقروءة على الناظم رحمه اللّه ، لبس : مرفوعة السين ، وقد ذكر فاضل من أكابر المحقّقين في إظهار محتملات وجوه الإعراب في هذا البيت ثلاثين وجها يطول ذكرها ، واخترنا منها أن يكون لبس فاعل غرّك ، وما قلت مفعول قلت ، ولابسا حال من ضمير التاء فيه ، وشين مفعول لابسا .

فالمعنى

: على هذا يقول أن نفسك الملهمة فجورها وتقواها مقيّدة بأحكام الطبيعة ومنصبغة بآثار المراتب الكونية وخصائص الخلقية ، وغلبة هذه الآثار والأحكام عليها ومحجوبة بها عني وعن حقيقة حبّي ومقتضياتها ، وعن سرّ عزّة حضرة محبوبيتي وشدّة امتناعها عن تقريبك ما دام أثر من آثار أنانيتك وصفات خلقيّتك باقيا وظاهرا فيك ومضافا إليك ، وهي أعني نفسك بحكم هذا الاحتجاب ، واللبس عن مقتضيات حبّي وعزّة محبوبيتي تمنّت أن تفوز برتبة حقيقة حبّي التي هي أعلى المراتب ، وبحصول وصلي وقربي الذي هو أكمل المطالب مع بقاء شيء من صفات خلقيّتها وآثار كونها وأنانيتها ، وظنّت بحكم هذا الالتباس أن تصل بفناء شيء من حظوظها الزائلة الناقصة المتعلقة بغيري إلى حظوظها ولذّاتها الدائمة الكاملة المتعلقة بي من لذة رؤية وسماع ونحو ذلك ؛ فلا جرم غرّك احتجاب نفسك المتمنية الواقفة في وسط طريق حبّي والمخفية عليها سواء سبيل نهايته وغايته ، حتى قلت ما قلت في هذه الأبيات المتقدمة من الإطلاق في دعوى التحقّق بحقيقة حبّي ، ومن جمعك بين ادّعاء ترك جميع الحظوظ فيه وتمكينك الحبّ من
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 247 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني