تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
كمال التصرف والتأثير فيك ورفع آثار المباينة والامتياز عنك ، وبين طلبك إبقاء وصف منك وتوقّعك لذّة رؤية وسماع المكذبين إيّاك في إطلاق دعواك التي هي التحقّق بحقيقة حبّي وتركك جميع الحظوظ وتمكينك الحبّ من كمال التصرّف والتأثير فيك ، وزيّنت الكلام وزوّقته بالفصاحة ، وقولك وكلامك المتناقض المزوّق كان في حال كونك لابسا ، أي ساترا في دعواك بذلك الكلام المزوّق عيب كذب دعواك ، وتناقض في الإخبار بحقيقة مقصدك ومرماك في أن حبك إيّاي مخلص عن شوائب الأغيار ، وطلبك لذّة رؤية وسماع وبقية تلذّذ بها منها لابسا هذا العيب الفاحش والكذب الظاهر على من يحيط علمه بسائر سرائرك وجميع ضمائرك .
وفي أنفس الأوطار أمسيت طامعا بنفس تعدّت طورها ، فتعدّت أنفس : أفعل من النفيس وهو الذي له خطر ونباهة تضنّ النفس به لخطره ونباهته ، والمنافسة : مجاهدة النفس لنيل ما فيه نفاسة ، والوطر : الحاجة المهمّة ، وأمسى من أخوات كان معنى وعملا ، والطمع : نزوع النفس فيما تشتهيه ، وتعدّت الأول : بمعنى جازت ، والثاني بمعنى جارت ، والطور : من طوار الدار وطورها وهو ما اشتدّ معها من البناء ، واستعمل في الحدّ فقيل : عدا طوره ، أي جاوز حدّه ، ويقال : فعل كذا طورا بعد طور ، أي : تارة بعد تارة ، والباء في قوله : بنفس للآلة ، والفاء في قوله : فتعدّت للسببية .

المعنى

: يقول : النفس هي المطية التي يبلغ بها المرء إلى أعلى مطالبه في أولى مذاهبه ما دامت مرتاضة مهذّبة غير جامحة ولا جانحة لعطب راكبها ، ولا مائلة إلى معاطبها ، ولا متعدّية حدّ سيرها ولا جائرة عليه بالتجاوز فوق طورها ، وأنت أيها المغرور بهذه المطية الرديّة والتباس المذهب المستقيم عليها واحتجابها عن الطريق القويم الذي يجب عليك أن تغشاها وتسلك فيها أمسيت طامعا في أنفس الحاجات وقضاء أهم المهمات الذي هو حبّي وطلب وصلي ، وبغية قربي بهذه النفس الخسيسة التي تعدّت طورها بالدعوى والغرور وبالقول الزور ، بحيث صار ذلك التجاوز عن حدّها سببا لظلمها عليك بتغريرها إيّاك وتلبيسها حقيقة مبتغاك ، حتى آل أمرك إلى التأخر عن البلوغ عن المقصد الصحيح والحرمان عن الفوز بالمطلب الصحيح .