بك عمّا يغاير معنى من معانيك ، واحيرتي في بيداء الأهواء المردية ، ويا حسرتي على فوات البقاء والأشياء المبقية .
تنبيه :
ثم إنه لما بثّ أحواله اللّاتي أوجبها الحبّ واقتضاه في مراتب طوره الأول ، وبالغ في ذكر كمال تحقّقه بحقيقة الحبّ وتمكينه إيّاه بكمال قابليته أن يتصرّف في ظاهره وباطنه بالإفناء بحيث ما أبقى منه بقيّة حظّ ولا صفة في مبلغ علمه أصلا ، وأكد ذلك بالشاهد واليمين .
رجعت حضرة المحبوب تردّ عليه وتكذّبه في تعميم دعوى تحقّقه بحقيقة الحبّ وتمكينه إيّاه من كمال التصرّف فيه بالإفناء ، وذلك الردّ عليه كان منسحبا على إحاطة علمها بجميع ما تضمّنته نفس المحبّ ، والتي فنيت منها وما بقيت كامنة مخبية في زوايا باطنه مخفيّة عن المحب ، ثم نبّهته بما خفيت عليه ، وبالخبايا في زوايا باطن نفسه من الحظوظ التي ما تفرغ المحب لفنائها لخفائها عليه ، فذكر ذلك في تسعة عشر بيتا بلسان التنبيه ، والتذكير والهداية إلى تلك الخبايا المذكورة ، فيقول أولا بلسان الردّ عليه في تعميم دعواه :
فقالت : هوى غيري قصدت ، ودونه اق تصدت ، عميّا ، عن سواء محجّتي
القصد في الأصل : استقامة الطريق ، والاقتصاد : أخذ الوسط بين الإفراط والتفريط ، والعمى يقال في افتقاد البصر أو البصيرة ، يقال في الأول : أعمى ، وفي الثاني : أعمى ، وعمّ العمى فعيل بمعنى فاعل ، والمحجّة : جادة الطريق ، وقوله : عميّا منصوب على الحال من اقتصدت ، أي وقفت في أثناء طريق الحبّ حال عماك عن سواء طريق تحقيقه ، وقد حذف المضاف في محجّتي ، أي محجة حبي .
يقول : لما أبثثتها ما نزل بي من مقتضيات الحبّ ، وأنهيت إليها ما لقيت من برحائه وشدّته ، وأكّدت ذلك مصحّحا بالأيمان الغلاظ ، ردّت عليّ عقيب ذلك كلّه ما قلته وادّعيته ، وقالت : إنك في حبك الذي ذكرته ما قصدتني ، بل قصدت سواي ، وعند مقصدك هذا وقفت في أثناء طريق الحبّ ووسطها حال كونك عميّا عن حقيقة محجّة الحب ؛ لأن مبدأ طريقه أن يكون مرمى طلبك ومنتهى مقصدك نفسك وحظوظها ولذاتها ، بحيث لا يتجاوزها أصلا ، ووسطها أن يكون مقصدك