تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
قوة شوقي لكمال تيقّني بأن ذاتك الأقدس كلّها كمال لا نقص فيها ، وحكمة لا هزل ولا جهل يلحقها ويدانيها ، وكل ما يبدو من الحكيم الكامل الدائم الحضور لا بدّ وأن يكون له جهة كاملة إلى الكمال ومحبوب بالنظر إلى نسبته إليها ، فكل ما يفعل المحبوب محبوب ؛ ولأن ميل هؤلاء النسّاك الظاهرين إلى بعض محاسنك المذكورة إنما كان بناء على تعلّق حظوظ نفوسهم في الأجل بتلك المحاسن من حيث آثارها وآثار آثارها ، لا من حيث أعيانها . وأمّا أنا ، فشغلي بالحبيب بكل وجه أحب إليّ من شغلي بحالي ، فلهذا أقول في هذا البيت :
وإن فتن النّسّاك بعض محاسن لديك ، فكلّ منك موضع فتنتي النسّاك : جمع ناسك وهو العابد ، والنسك : العبادة ، وقوله : فكل منك ، أي كل شيء ابتداؤه وانتشاؤه منك من جميع آثار أسمائك وصفاتك هو موجب انبعاث فتنة الحبّ في قلبي ، وعين ذاتك المسمّاة بجميع الأسماء والمتّصفة بجميع الصفات من حيث إن إضافة جميعها إليها على السواء هي متعلق عشقي ، لا الصفات المقيّدة ببعض الأحكام والآثار بحيث تحيّرت في أمر حبّي حتى لم أهتد إلى تعيين وصف من محاسنك يكون ميلي إليها أقوى وأظهر ؛ وذلك لأن كل ما تعين في نفسي شيء بحكم بأن قوّة ميلي إليه أحقّ يبدو في الحال حكم وصف ومعنى آخر يحكم بكون الميل وشدّته إليه أولى ، بل أشاهد الموجب والحاكم المطلق في كل واحد ساريا وأعاينه موجبا مطلقا لما أعاينه .
وما احترت ، حتى اخترت حبّيك مذهبا فواحيرتي ، لو لم يكن فيك خيرتي احترت : تردّدت في الأمر بحيث لم أهتد إلى ما اختاره أو إلى حقيقته ، وصوابه يقال منه : حار يحار حيرة واحتار واستحار مثله . يقول : وإنما كنت قبل اختياري حبّك أن يكون لي مذهبا وطريقا مهتديا إلى صواب كل أمر يسنح لي غير متردّد ولا متبلّد في اختيار أصوبه وأحقّه للشروع فيه إلى أن ورد عليّ وارد اختيار حبّك وأخذي إيّاه مذهبا وطريقا ، وحينئذ سلب حبّك لبّي وحيّر هواك عقلي وقلبي ، بحيث لم أهتد إلى خير سوى هواك ، ولم أسترشد إلى غير دون من يدين بولاك ولا سكن قلبي إلى معنى وصفة من صفاتك ولا يبلّ شوقي واشتياقي اعتبار معيّن من اعتباراتك ، ولو لم تكن حيرتي هذه فيك وشغلي
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 245 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني