فمن شاء فليغضب ، سواك ، ولا أذى إذا رضيت عنّي كرام عشيرتي
العشيرة : أهل الرجل الذين يتكثر بهم ، أي يصير بهم مثل العدد الكامل الذي هو العشرة ، قوله : فمن شاء فليغضب سواك فلا أذى ، جملة شرطية جوابها : فلا أذى ، وشرطها : فمن شاء ، والفاء في قوله : فمن شاء للتسبيب ، يعني : بسبب استمراري على معاناة الحبّ والظهور بأحكامه ومقتضياته من شاء فليغضب سواك ، فلا يضرّني غضبه ، وقوله : إذا رضيت عني كرام عشيرتي ، يعني : العشاق وأهل التوحيد والعرفان شرطية أخرى جوابها محذوف وهو تمام هذا البيت ، فإن في هذا البيت تضمين شعر العرب الأوّل ، وهو قولهم : إذا رضيت عنّي كرام عشيرتي ، فلا زال غضبانا عليّ لئامها .
يعني : من أراد فليغضب عليّ سواك من أهل اللّوم واللؤم الذين هم شرّ الفتية والمترسمة الظاهرية بسبب استمراري على الظهور بمقتضيات الحبّ وبمقضياته وتطلّعي بالكلّية إلى حضرة محبوبيتك ، فلا ضرر لي من غضبهم ، كما لا نفع لي في رضاهم إذا كان كرام أهل نسبتي من أهل الحب والتوحيد والعرفان راضين عنّي بما أعاينه من الخروج عن أحكام العقل والتقيّد بمقتضيات العشق ومقاساة بلائه ومعاناة عنائه ، فليكن هؤلاء شرّ الفتية من أهل اللّوم واللؤم غضابا عليّ دائما ، فإني فارغ عنهم وعن رضاهم وغضبهم وحرّ عن رقّ التلفّت إليهم ، وهم - أعني المترسمة الظاهرية - من الزهّاد والعبّاد معذورون عندي في إنكارهم عليّ ولومهم إيّاي ، فإنهم ما وقفوا إلّا على بعض أوصافك ، ولم يكن سبب فتنة تركهم بعض حظوظهم العاجلة وموجب ميلهم وتوجّههم إلى حضرتك إلّا بعض محاسنك لا كلّها ، فهم طالبوك من حيث لطفك وإحسانك ورحمتك وجنانك وإنعامك وامتنانك راغبين في آثار هذه الأنواع من أوصافك وطالبين نتائجها من مقدّمات رحمتك وما يتبعها من أوصافك ، هاربين من آثار قهرك وهجرك وعتابك وعقابك وعذابك إلى آثار حلمك وعفوك وغفرانك ورضوانك ، فبعضهم يميلون إليك من حيث عزك وغناك ووحدانيّتك وفردانيّتك وجلالك ؛ وبعضهم يتوجّهون إليك من حيث جمالك وبهجتك وبهائك وسنائك ؛ وأما أنا فأقول : كل شيء من المليح مليح ، فكل ما يبدو منك من لطف أو عنف أو نعمة أو نقمة أو منحة أو هداية أو غواية أو إنعام أو إيلام أو تقريب أو تبعيد جميع ذلك سبب مزيد فتنة حبّي وموجب الامتلاء من عشقك كليّة قلبي ولبّي ، وعلّة غلبة بلية عشقي ومستلزم
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 244
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢٤٤