ومعنى وراء الحسن ، فيك شهدته ، به دقّ عن إدراك عين بصيرتي
الدقّة والرقّة متقاربان ، إلّا أن الدقّة في الأجسام تستعمل اعتبار الجوانب الشيء وتضادّه الغلظة ، والرقّة اعتبارا بعمقه وتضادّه الصفاقة . وأمّا في المعاني ، فالدقّة تستعمل في الغموض وهو المراد ههنا ، وهي غالبا تتعلق بالعقل والرقّة في النفس تضادّها الجفوة ، وفي القلب تضادّها القسوة والبصير ههنا نظر العقل من حيث باطنه ، والباء في به للاستعانة متعلقة بشهدته ، والضمير راجع إلى معنى ، وفيك متعلق به أيضا ، أي ومعنى ثابت فيك .
قوله : ومعنى وراء الحسن ، يعني على معنى أنه لا يضادّه فتح متعارف ، فإن كل شيء يعدّ قبيحا بالنسبة إلى عموم الأفهام لا يخلو عن حسن كامن فيه يتعلق بذلك الحسن الكامن حقيقة الكمال الذي أوجد ذلك الشيء لإظهار ذلك الكمال ، فإن الحكيم القادر المختار لا يفعل شيئا إلّا ما يكون فيه مصلحة وكمال ؛ كما قال تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
( 27 ) [ ص : الآية 27 ] ، أي ستروا الحق بأحكام خلقيتهم ، فلا يدركون الحقّ في كل شيء ولا يدرك ذلك الحسن الكامن والكمال المتعلّق به إلّا من أزيلت عنه أحكام خلقيّته الغالبة عليه ، وانفتح بصره الباطن المضاف إلى سرّه ، فبذلك البصر الذي انفتح بحكم فبي يبصر ويشاهد ذلك الحسن الكامن ، وهو معنى قوله : شهدته به ، وحينئذ كل شيء يراه غيره قبحا يشاهده هو بذلك البصر حسنا جميلا ، فذلك الحسن الكامل الكامن غمض عن إدراك بصيرة العقل التي لم يزل عنها بعد حكم كدورة الخلقية وعماها عن درك آثار الحقية ، وهذا المعنى ذكره في ثلاث أبيات من أوّل هذه القصيدة ، فهذه الأبيات التسعة تضمّنت قسما عشرة بالحب وأطواره ، وبالتجلّي وخواص أوصافه وآثاره ، وجواب القسم هذا البيت الآتي ، وحصر المقسم عليه في خمسة أنواع راجع كلّها إلى شيء واحد وهو أن لا محبوب له غير هذه الحضرة ، ودليل الحصر تقديم الضمير مثل قوله تعالى :
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ البقرة : الآية 5 ] .
لأنت منى قلبي ، وغاية بغيتي ، وأنهى مرادي ، واختياري وخيرتي
غاية الشيء : مداه ونهايته ، والبغية : المطلب المتجاوز في طلبه حدّه ، يقال :
بغيت الشيء إذا طلب أكثر مما يجب من الطلب ، وقيل : هي بالكسر ما تبغيها ،