بشرته ، فتسمّى صباحة من لمعان الصبح وبريق أثره ، وإنما حلف بسرّ الجمال لاختصاصه واختصاص إدراكه بالخواص دون العوام ، فإن عموم الخلق يدركون ظاهر الجمال ، ويكون ميلهم ونطقهم وتعشقهم بحكم ذلك الإدراك وحسبه ، سواء كان محبوبهم إنسانا أو غيره ، وبسبب أن حكم ظاهر الجمال وظهور أثره شامل جميع المراتب وأهاليها كان للهوى والطبع وأحكامهما فيهم منه حظ وافر ، وفيه مدخل عظيم .
وأمّا الخواص ، فأكثرهم يدركون من كل شيء ذلك السرّ مع مشاركتهم العوامّ في إدراك ظاهره ، فيكون متعلّق ميلهم إلى كل جميل ، وتعلّقهم به مقصورا على ذلك السرّ وطبعهم وهواهم بمعزل عنه ؛ فلهذا خصّص سرّ الجمال بالذكر في قسمه ، وقوله : عنك ، يعني كما أن حكم ظاهر الجمال قد تجاوز عنك إلى كل أحد ، فحصل له منه نصيب ، فتمّ وكمل بذلك ظاهر الجمال ؛ كما أشار صلى اللّه عليه وسلم إلى ذلك بقوله : « إن اللّه جميل يحب الجمال » « 1 » ، فكذلك تجاوز عنك سرّ الجمال وظهر في الأشياء بصورة الملاحة ، فبذلك السرّ وسريانه في العالمين ظهرت الملاحة التي لا يدركها إلا طبع لطيف ونفس دقيق النظر شريف ، وتمت الملاحة بشمول ذلك السريان ، وكملت كما تمّ وكمل الجمال الظاهر لشمول ظهوره في العالمين .
وحسن به تسبى النّهى دلّني على هوى حسنت فيه ، لعزّك ذلّتي
السّبي : الأسير ، والنهى : جمع نهية وهي العقل ، باعتبار نهيه عن القبائح ، ومنعه عن الاسترسال في الشهوات مأخوذ من النهى ، وهو الغدير الذي يمنع الماء عن الجري ، والعز : ما يمنع أن يغلب ، والذلّ : بالضم ، والذلّة : بالكسر ، والمذلّة خلاف العزّ ، وكل ذلك ما يكون عن قهر والذلّ بالكسر ، وغير الهاء خلاف الصعوبة ، إلّا أنه كان بعد تصعّب وشماس والباء في به متعلقة بتسبى وتقديمه عليه لإفادة اختصاص سبي النهى بالحسن ، وفي متعلقة بدلّني ، والضمير راجع إلى الهوى ، واللام يحتمل أن يكون حرف تعدية الذلّة ، فإنه يقال : ذللت لفلان ، أو لام التعليل ، أي حسبت في هواك ذلّتي لأنك عزيزة لا يوصل إليك إلّا بالذلّة .
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب تحريم الكبر وبيانه ، حديث رقم ( 91 ) [ 1 / 93 ] ؛ والحاكم في المستدرك ، كتاب الإيمان ، حديث رقم ( 69 ) [ 1 / 78 ] ؛ ورواه غيرهما .