تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
قوله : وحسن به تسبى النهى ، يعني : حقيقة الحسن التناسب في الأجزاء والأوصاف ، والوصف الخصيص بالعقل إنما هو التمييز ، فإذا تمّ ظهور التناسب والملائمة بين الأجزاء والأوصاف بحيث استوى جميعها في قيام التناسب والملائمة والعدالة بها ، فإذا أراد العقل أن يميّز بينها في قيام التناسب والملائمة ، ويفضل بعضها على بعض في ذلك لم يقدر على ذلك لاستواء الجميع في ذلك الوصف ، ويعجز ويبطل حكمه وتصرّفه في ذلك ، وتزول إرادته واختياره المطلق عنه ، والسبي والأسر ليس إلّا إبطال الحكم والتصرّف على سبيل الاستقلال والعجز عن إظهار التصرّف وزوال الإرادة والاختيار عنه ، فصحّ قوله : تسبى العقول بالحسن . وقوله : دلّني على هوى ، أي على الحب ؛ لأن الحب من خاصيّته الجمع بين المحب والمحبوب بحيث يرتفع حكم التميّز بينهما ، والحسن كذلك يرفع حكم التميّز بين الأجزاء والأوصاف كما ذكرنا ، وكلاهما أتيا من عالم الوحدة مريدين للرجوع إلى أصلهما طالبين مظهرا يرجعان به وبواسطته ، فإن الظهور في عالم التركيب يستدعي مظهرا يناسبه ولا بدّ ، وكان ظهورهما في هذا العالم لإظهار الكمال الأسمائي ، فإذن لا بدّ لهما من المظهر لإظهار الكمال والرجوع إلى المبدأ ، فحيث وجد الحسن مظهرا دلّ على الحبّ من حيث نظر المحبّ إلى المظهر الذي هو عين الناظر لتأثّر نظره من أثر الحسن ليرجعا جميعا إلى عالمهما الذي هو عالم الوحدة بعد تحصيلها كمالا يناسبهما ، ويختصّ بكل واحد منها فصحّ قوله : دلّني على هوى . وقوله : حسنت فيه لعزك ذلّتي ، يعني : لما كان المحبوب مستقلّا بحسنه متوحّد به غنيّا في ذلك عن غيره غير محتاج إلى موحد ، وكان ممتنعا بتوحيده من وصول الكثير والكثرة إليه ، فكان للمحبوب عزّة لهذا ؛ فكان المحب مكثرا في صفاته ومطالبه ومتمنّياته من لذّة الوصل وحظوظه في ذلك ، ومحتاجا إلى المحبوب في حصول ذلك أولا ، وإلى إزالة أحكام الكثرة ونفي حظوظها عن نفسه كيما يتأهّل للوصل ثانيا ، وإلى الانقياد للحب في إفناء أحكامه وتصرّفاته ، بل جميع صفاته ، بل إفناء تعيّن ذاته ثالثا ، حتى ينفصل فيتّصل اتّصالا حقيقيّا يوصل المحبوب ، وهذا الاحتياج الذاتي والانقياد عين الذلّة ولا يستحسنها المحبّ إلّا بسبب عزّة المحبوب وامتناعه عن الوصل إلا بهذه الذلّة والافتقار ، لهذا قاله حسست فيه لعزّ ذلّتي .