ولمّا كان الجمال متعلّقا بالظهور وللظهور وصفان : وصف قيد وتعيّن ، ووصف إطلاق عنهما ، وكان وصف إطلاقه باطنا في قيده وتعيّنه كان ذلك الإطلاق الباطن في قيد الظهور وتعيّنه ، وهو جلال الجمال ، وأن من حكمه إذا ظهر بوصفه إطلاقي أن يغلب على كل قيد وتعين من قيود الجمال وتعيّناته ويقهره ويفنيه بحكم التنافر الذاتي والضدّية بين حكميهما ، فيستلزم ذلك عذابا وقتلا لكل من تقيّد بذلك القيد والتعيّن ، وكذلك لمّا كان للبطون أثر ظهور ما بحكم التجلّيات الواردة من الباطن إلى الظاهر لإظهار كمال ما متعلق بذلك ، فإذا ظهر ذلك الوارد على المورود بحكمه الإطلاقي الباطني غيره منصب بوصف مرتبة من المراتب وحكمها ، ولا بأثر صفة وحالة من أحوال من يرد عليه ، بل منبئا عن حكم غناه وعدم تقيّده بشيء أصلا ، فيوجب لذلك قبضا وخشية « وما أدري ما يفعل بي ولا بكم » « 1 » من أحكام ذلك ، كان ذلك من قبيل إحكام جلال الجمال باعتبار وروده في ضمن نسبة الظهور ، وإنما يرد ويظهر ذلك الأثر الغيبي الجلالي الباطني مارّا بالمراتب منصبغا بحكمها للمورود ، فينصبغ بحكم المحل ووصفه والحال الغالب عليه حالتئذ ، فيوجب ذلك بسطه وفرحه ، وكان ذلك جمال جلال ، ثم إن كل واحد من التجليين الباطني والظاهري ، أو قل الجلالي والجمالي له مجلى من العين المتجلّي له هو قلبه ، فالقلب القابل للتجلّي الباطني الجلالي نسبته إلى الروح الروحانية أتمّ ، والقلب القابل للتجلّي الظاهري الجمالي نسبته إلى النفس الملهمة أشدّ ، فمهما ورد من أحد التجليين الموصوف بجلال الجمال وجمال الجلال ، ولم يصادف قلبا قابلا مناسبا له ولظهوره فيه لم يظهر على المورود بوصف الملاءمة والتناسب ، بل يظهر بوصف الجلال ، فيصف جلال التجلّي نفسه بفعل إظهاره في المحل المتجلّي له اصطلاما وعناء وعذابا وقتلا ؛ لأجل التنافر والتضادّ الواقع بين الوارد وحكم إطلاقه ، وبين المورود وحكم قيده وتعيّنه ، بل بين ما كانت نسبته إلى الباطن أقوى ، وبين ما نسبته إلى الظاهر أشدّ ، والقهر والغلبة أبدا للباطن على الظاهر ، والوارد باطن ؛ فلهذا قال : واحلف بوصف جلالك بفعله الذي هو عذابي وقتلي باعتبار عدم قبولي إياه بقلب قابل ملائم له ، ولأجل فهمي وصفه - أعني ذكر تجلّي
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب العين الجارية في المنام ، حديث رقم ( 6615 ) [ 6 / 2575 ] ؛ ورواه الحاكم في المستدرك ، تفسير سورة الأحقاف بسم اللّه الرحمن الرحيم ، حديث رقم ( 3694 ) [ 2 / 493 ] ؛ ورواه غيرهما .