تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
مدد العدالة وبقاءها من هذا الوصف - أعني وصف الكمال الذاتي - نفسه بكمال الجمعية والعدالة بفعل سريانه في كل شيء ، لا بقوله ، فإن الوصف الذي هو ذكر الشيء لماله أو منه تارة يكون بالقول ، وتارة يكون بالفعل ، كوصف الإنسان نفسه بالجود بكثرة إفاضة معروفه على الخلق ، وهذا آكد الوصفين لتطرّق إمكان الخلف في القول دون الفعل .
ونعت جلال منك ، يعذب دونه ، عذابي ، وتحلو ، عنده لي قتلتي النعت : وصفك الشيء لما فيه من حسن كذا ، قاله الخليل وقال : إلّا أن يتكلّف متكلّف فيقول : ذا نعت سوء ، قال : وكل شيء جيّد بالغ فهو نعت ، والجلالة : عظم القدر وبغير الهاء التناهي في ذلك ، وهو مخصوص بوصف اللّه تعالى ، ولم يستعمل في غيره وكلاهما في الأصل مصدر جلّ يجلّ جلالا وجلالة ، ويعذب : يطيب ، يقال : ماء عذب أي طيّب ، والعذاب أصله إمّا من العذب ، يقال : عذبته ، أي أزلت عنه عذب حياته وعيشه على بناء مرضته . وإمّا من قولهم : ماء عذبة إذا كان فيه قذر أو كدر ، وإمّا من قولهم : عذب الرجل إذا ترك المأكل والنوم ، فالتعذيب الحمل على الجوع والسهر . وأمّا أن يكون التعذيب من إكثار الضرب بعذبة السوط ، أي طرفه ، ودونه : بمعنى عنده ، واللام في لي حرف تعدية تحلو ، ومنك يجوز أن يكون صفة لنعت جلال أو متعلقا بيعذب ، والنعت مصدر مضاف إلى جلال ، يعني بنعت جلال منك نفسه بإظهار فعله وأثره في بالعذاب ، والقتل مثل ما ذكرنا في البيت السابق .

المعنى

: اعلم أن الجلال والجمال حكمان لازمان للبطون والظهور ، فكما أن البطون ضربان حقيقي ، وهو المضاف إلى كنه الذات والغيب وإطلاق الأزليّة بحيث إنه لا يحكم عليه بشيء من أحكام الظهور من حيث هو كذلك ، فله الجلال الحقيقي والعظمة التي لا يقوم شيء في مقابلتها أصلا ، وضرب آخر بطون نسبي يحكم أن الرتبة الأولى بما فيها باطنة بالنسبة إلى الثانية وهلمّ جرّا ، فله الجلال النسبي ، ولذلك الظهور ضربان : حقيقي ، وهو ما يضاف إلى كل شيء في جميع المراتب ، وله الجمال العام الشامل الكامل الذي لا يقابله قبح أصلا ، وضرب آخر ظهور نسبي حاصل بالنسبة إلى البعض دون البعض ، وله جمال تدركه البعض دون البعض ، أعني يناسب بعضا ولا يناسب بعضا .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 235 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني