وحدة جمعيتها الحقيقية ، وفي حقيقة سوآتيهما الظاهر أثر ذلك في ذوق مظهر هذه الطلعة المشار إليه بقوله :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
( 107 ) [ الأنبياء : الآية 107 ] ، وبقوله :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ
[ سبأ : الآية 28 ] ، وذلك المظهر الأجمع الأشمل إنما هو المزاج الأعدل المحمدي والقلب الأشمل الأحمدي صلى اللّه عليه وسلم ، وأراد باستسرّت تلك البدور لأجل بهجة تلك الطلعة خفاء أحكام أولئك الكمّل من شرائعهم واختصاصات أذواقهم ، ونسخ فروع أديانهم وشرائعهم وكتبهم عملا وتلاوة بدينه وشرعه وكتابه الشامل الجامع جميع ذلك ، وانتفاء آثارهم الجزئية بالنسبة بآثاره الكلية من جميع الوجوه .
ووصف كمال فيك ، أحسن صورة ، وأقومها ، في الخلق ، منه استمدّت
وصف الشيء : ذكره لما له أو منه ، والصفة الأمارة اللازمة للشيء ، والكمال : حصول ما فيه الغرض ، وقيل : حصول ما ينبغي على نحو ما ينبغي والصورة أصله ما تنتقش به الأعيان وتميّزها عن غيرها ، وهي ضربان : حسّي ، كصورة الفرس والنخل والمرجان ، ومعنوي ، كالهيئة الاجتماعية من العقل والرؤية ، وصورة المسألة ونحو ذلك ، والأقوم والأعدل من قولهم : فلان على طريق قويم ، أي : مستو غير معوج ولا منحرف ، واستمدّت : وجدت المدد .
وقوله : ووصف كمال يحتمل أن يكون الوصف بمعنى الصفة ، فيكون المقسم به عين الكمال ، ويحتمل أن يكون مصدرا مضافا إلى كمال ، يعني وصف كمال حاصل وباطن فيك مخبر ذلك الوصف بجمعيتك وسوائيّتك التي هي عين كمالك بحيث يجد أحسن الصورة المعنوية التي خلق عليها آدم عليه السلام ، وأقوم الصورة الحسية وأعدلها ، وهي الصورة العنصرية الآدمية المخلوقة على تلك الصورة المعنوية مدد الوحدة والعدالة والحسن والجمال من ذلك الوصف بطريق الفعل ، فيكون المقسم به ذلك الوصف ، وهذا هو الأوجه عندي ، فقوله : فيك متعلق بمحذوف ، وهو حاصل وباطن ، وفي الخلق أي في الخلقة العنصرية متعلق بأقومها ، ومن في منه للابتداء متعلقة باستمدّت ، والضمير راجع إلى الوصف .
وإنما أنّث ضمير الأحسن والأقوم في قوله : استمدت ، باعتبارين ، أحدهما :
باعتبار رجوعه إلى اثنين وفيهما معنى الجمع ، والثاني : أنهما مضافان إلى المؤنّث وهي الصورة ، فجاز تأنيثهما .