فكان عاقد ذلك العقد والتألف والموافقة خطاب
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف :
الآية 172 ] ، يعني : ألست بربوبيتي بملكي وسيادتي وتربيتي وإصلاحي أحوال جميعكم أيها الفريقين جامعا بينكم ورافعا بينكم ، قالوا : بلى ، لعدم ظهور غلبة حكم الطبيعة وأنانيتها ثمّة ، فكان ذلك الخطاب عاقد ميثاق الألفة والقرب بين كل متنافرين ومجدّد عهد الجمعية والوصلة والمودّة بين كل متوافقين ومتحابين ، ومذكر ذلك العهد السابق المذكور في مبدأ الأمر الإيجادي ومظهر حكم المحبة الذاتية والصفاتية فيهم ، فإن الربّ إذا اعتبر من حيث باطنه وذاته يوجب ارتباطا ذاتيّا ، وإذا اعتبر من حيث ظاهره المقيّد بالأوصاف والاعتبارات يستلزم ارتباطا صفاتيّا ؛ فإذا عرفت واستحضرت هاتين المقدّمتين ، فافهم ما يقول في البيت احلف بأخذك ميثاق الولاء بقولك
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : الآية 172 ] الواقع ذلك الميثاق في فيّء طينتي ، يعني في صورتي المثالية التي هي فيء ذرّتي الطينية التي تضمّنتها الصورة الطينية الآدمية ، حيث لم أبن ، أي لم تظهر نفسي الناطقة بقواها وآثارها بواسطة مظهر لبسها بلباس هذه الصورة العنصرية الطينية ، واختفائها واختفاء قواها وآثارها بهذا المظهر ، بحيث يتخيّل ويتوهّم أن آثار نفسي الناطقة كالسمع والبصر والتأثير مضافة إلى أجزاء هذا المظهر وأعضائه ، أي إلى الأذن وإلى العين وإلى اللّسان وإلى اليد وأمثال ذلك ، وعند أخذك ذلك الميثاق لم يضف شيء منها إلى نفسي ، ولا إلى هذه المظاهر الموجبة للبس المذكور .
وسابق عهد لم يحل مذ عهدته ، ولا حق عقد ، جلّ عن حلّ فترة
العهد : حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال هذا أصله ، ثم استعمل في الموثق الذي يلزم مراعاته وهو المراد ، وأصل الحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره باعتبار التغيّر ، تقول : حال الشيء يحول حولا ، واستحال تهيأ للتغير وهو المراد هنا ، وباعتبار الانفصال قيل : حال بيني وبينك كذا ، واللاحق المدرك للسابق ، واستعمل في نفس التأخر والمراد الأول ، وأصله : لحقت الشيء ولحقت به :
أدركته ، والعقد : الجمع ، وههنا بمعنى العهد ، ولم يحل أي : لم يفك عقده ، والفترة : الضعف ، والسكون والباء فيها للاستعانة .
يقول : أقسم بسابق عهد ، يعني به العهد الذي عهده عند التوجّه بالأمر الإيجادي الذي صورته كلمة كن ، فكان كل كائن ظاهرا في عالم الأرواح بظاهر