على قدر الأرض ، منهم الأحمر والأبيض والأسود ، وما بين ذلك ، والسهل والحزن والخبيث والطيّب » « 1 » ظهر مثال صورته على ما يشمل من الذرّات في هذا الوجه من عالم المثال ظهور مفصّل في مجمل ، والإشارة إلى ذلك ما ورد في الحديث في معنى قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ
[ الأعراف : الآية 172 ] الآية ، أن اللّه تعالى « مسح ظهر آدم وأخرج ذريته منه كهيئة الذرّ » « 2 » الحديث ، والمسح في اللغة إمرار اليد وإزالة الأثر ، ويستعمل في كل واحد منهما يقال : مسحت يدي بالمنديل ، أي أزلت عنها الأثر ، فههنا أريد بالمسح إزالة أثر غلبة حكم عالم الحسّ عن ظهوره ، وبإخراج ذرّيته كهيئة الذرّ إظهار أمثلة تلك الذرّات في هذا الوجه المذكور من عالم المثال ، وفي أثناء حديث آخر : « فقال اللّه تعالى - أي لآدم - ويداه مقبوضتان : اختر أيهما شئت ، قال :
اخترت يمين ربّي ، وكلتا يدي ربي يمين مباركة ، ثم بسطها فإذا فيه آدم وذرّيته » « 3 » .
فالقبض والبسط إشارة إلى الإجمال والتفصيل في المثال والحسن ، فكانت تلك الأمثلة الظاهرة مفصّلة عند بسط اليمين المباركة هي أفياء تلك الذرّات الطينية الثابتة والظاهرة في عالمها ، أي عالم المثال الذي يقال له أيضا عالم الخيال المنفصل ، وأريد بقوله في الحديث : « كهيئة الذر » كذلك عيّن تلك الأفياء باعتبار التمثيل المفهوم من الكاف .
وقوله في البيت : في فيء طينتي ، أيضا أراد به من هذه الصور المثالية المذكورة الذي هو في فيء طينته ، وخطاب
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : الآية 172 ] وارد على النفس من حديث أدنى تعلقها بهذه الصور المثالية .
هامش
( 1 ) رواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر البيان بأن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « خلق آدم من أديم الأرض . . . » ، حديث رقم ( 6160 ) [ 14 / 29 ] ؛ والترمذي في سننه ، باب ومن سورة البقرة ، حديث رقم ( 2955 ) [ 5 / 204 ] ؛ ورواه غيرهما .
( 2 ) رواه الطبري في تفسيره ، قوله تعالى :وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ[ الأعراف : الآية 172 ] . . . [ 9 / 112 ] ؛ وأورده السيوطي في الدر المنثور ، تفسير سورة الأعراف ، الآية 172 - 174 [ 3 / 598 ] وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس .
( 3 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الإيمان ، حديث رقم ( 214 ) [ 1 / 132 ] ؛ وابن حبان في صحيحه ، ذكر خبر أوهم عالما من الناس . . . ، حديث رقم ( 6167 ) [ 14 / 40 ] ؛ ورواه غيرهما .