المقدمة الثانية : أن الميثاق لما كان عبارة عن عقد مؤكّد ، ولا عقد آكد من عقد الحب لإلزامه المتعاقدين على رعايته شاءا أم أبيا ، فلهذا أضافه إليه إضافة الجنس إلى نوعه ، ثم إن الحبّ هو الذي أوجب الأمر الإيجادي ، فكان من حيث باطن الحقائق الممكنة ظاهرا لصورة الطلب الاستعدادي والأمر الإيجادي ، لأجل ظهورها لأنفسها ، ومن حيث باطن الحقائق الأسمائية ظاهرا بصورة طلب ظهور كمالاتها المتعلقة بمظاهرها وآثارها لتلك المظاهر والآثار ، فكان الطلب الظاهر من الجهتين كالمقدمتين .
وبتكرار الطلب الحبّي الإرادي الأصلي فيهما وأثره في الجهتين كلتيهما حصلت النتيجة الإيجادية ، وانعقد عند ذلك عقد ائتلاف بين المتباينين - أعني العين الممكنة والوجود المضاف إليها - واتّصل العاقد بالمعقود ، فكانت الأرواح المتحصّلة من هذا العقد باعتبار مغالبة أحكام المقدمتين وحكمهما ظاهرة بصورة الجنود ، فما أثر فيه من الأرواح حكم وحدة هذا العقد وتقريبه وستر أو أزال حكم التميّز والمباينة بينها كانت متعارفة ثمّة ومؤتلفة ههنا ، وما لم يظهر ذلك الحكم فيه فبان حكم التميز وظهر أثر المباينة الكونية بينها كانت متناكرة ثمة مختلفة ههنا ، ثم ظهر عين هذا العقد في نزول الأمر إلى النشأة الأخيرة الإنسانية في ابتداء ظهور الصورة الآدمية باجتماع اليدين اللّتين هما كالمقدمتين ، وسراية الأثر الطلبي الحبّي فيهما ، وظهور نتيجة صورة آدم وظهور ذرات ذرّيته في ضمن صورته وتعين أمثلتها وأفيائها متميّزة في عالم المثال متعلّقة آثار النفوس الناطقة المتعيّنة في أحد وجهي عالم المثال وهو الذي يلي عالم الأرواح واللوح المحفوظ بهذه الصورة المثالية المتعيّنة بكل ذرة طينية بحكم الارتباط بين الوجهين ارتباطا وتعلّقا معنويّا نسبيّا لا صوريّا حقيقيّا .
فكان بين هذه النفوس وبين مظاهرها المثالية المذكورة نوع مناكرة ومنافرة ، من جهة بساطة النفوس وغلبة حكم الوحدة عليها ، ومن جهة التركيب المعنوي من وجه ، والصوري من وجه ، وعليه حكم كثرة تميّزاتها عليها ، فاحتيج إلى عقد الألفة بين الفريقين وإثبات معنى الجمعية بينهما لترتبطا عند التعلّق الحقيقي الصوري ، وتقبل الصورة المسوّاة على قبول نفخ الروح ويتعارفا بعد ذلك بناء على ذلك الارتباط .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 228
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢٢٨