مقتضيات ذاتك الأقدس اقتضاء ذاتيّا ، والشيء إذا اقتضى أمرا لذاته كان دائما بدوام ذاته ، والقسم بهذا الحب المحكم الذاتي هو خير قسم ، أي أعظمه وأقواه وأشدّه تأكيدا .
قلت : أشار بمحكم حب إلى حقيقة « فأحببت » « 1 » التي تقتضيها عين الذات ، بل ليست في الحقيقة وفي الرتبة الأولى إلّا هي حيث كان اللّه ولا شيء ، وأشار بقوله بيننا إلى رابطة ثابتة بين ضمير تاء « فأحببت » « 1 » ، ومفهوم « أن أعرف » « 1 » ، وقوله : وهو خبر ألية ، أي هذا الحب المحكم بحكم تقدّمه على كل اسم ورسم وعبارة وإشارة ومعنى وفهم .
فإن قلت : فلم لم يقسم باسم اللّه لكونه أجمع الأسماء وأشملها وأسبقها ؟
قلت : لأمرين ، أحدهما : رعاية التناسب ، فإن غرضه إنما كان تحقيق آثار الحب في نفسه ، فكان ذكر الحبّ الذي له السبق - كما ذكرنا - أنسب في هذا المعرض على أن باطن اسم اللّه وسرّه في الحقيقة عين هذا الحبّ .
والأمر الثاني : أن مفهوم اسم اللّه مشترك بين هذه الصيغة اللفظيّة المؤلفة من الحروف ، وبين مدلولها ومعناها ، ولهذه اللفظة أيضا حرمة من جهة اختصاص إطلاقها على هذه الحضرة ، فقد يقسم بها لتلك الحرمة ، فلو أقسم باللّه لكان موهما أنه أقسم بهذه اللفظة التي هي في العظمة دون الحقيقة الحبّية التي هي أصل تعيّن ما تدلّ عليه هذه اللفظة من حيث الظاهر والباطن ، والمرتبة الأولى والثانية ، وأصل جميع التعيّنات وظهورها ، وظهور أماراتها ، فلهذا خصّصه وقدّمه .
وأخذك ميثاق الولا حيث لم أبن بمظهر لبس النفس ، في فيء طينتي
الميثاق : عقد مؤكّد بيمين وعمد ، والموثق اسم منه ، وهو من وثقت بالشيء أثق به ثقة : سكنت إليه واعتمدت عليه ، وأوثقته : شددته ، وبان الشيء : اتّضح وظهر يتعدّى ولا يتعدّى ، والمراد ههنا الثاني ، وحيث عبارة عن مكان مبهم يشرح بالجملة التي بعده ، والفيء في الأصل : الرجوع إلى حالة محمودة ، وسمّى الكل الراجع فيئا لأنفس الكل .
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .