تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
يقول : إن أمر حبك وحكم ثباته وعدم قبوله التغيّر والنقصان والسلوان بكل ما يبدو منك ومن غيرك من إيلام ، أو إنعام ، أو عناء ، أو نعماء ، أو تقريب ، أو إبعاد ، أو إضلال ، أو إرشاد ، أو وصال ، أو هجران ، أو حرمان ، أو رحمة ، أو عفوا ، وإظهار بغض وعداوة أو إبداء مودّة وحقارة هو على ما وصفت لك آنفا ، وبعد هذا كلّه الحكم لك والأمر إليك في أمري ، فاصنعي في كل ما تقتضي مشيئتك ويوجب حكمك وحكمتك من جميع ما عددت من الوصل والفصل والإعزاز والإذلال والهجران والوصال ، فكل ما صنعت بي أعاينه عين مصلحتي ، فأمضي في أمري ما شئت ، فإن رغبتي على كل حال لا تكون إلّا فيك وفي حبّك لا عنك ، فلا أميل إلّا إلى حبّك ولا أعرض إلّا عن غيرك . قلت : معنى هذا البيت قريب من قول الحلاج في قوله :
وليس لي في سواك حظ * فكيف ما شئت فاختبرني
إلّا أن هذا أقرب إلى مراعاة الأدب وأبعد من ادّعاء المقاومة ورعونة إظهار قوة الاحتمال .

تنبيه :

ثم اعلم أنه ذكر في هذه الأبيات شرح حاله في الحب وتقلّبه في أطواره ، وكأن تقديراته متضمّنة نوعين من الكلام ، أحدهما : إثبات شيء وادّعاء تحقّقه به ، وذلك في ذكره مقاساة أنواع البلاء والصبر عليها ورؤيتها نعماء وعطاء والشكر على ذلك ، والثاني : ذكر نفي شيء في حبه عن نفسه وإنكاره ذلك ، وأنه لا محبوب له غير تلك الحضرة ، ولا يلتفت إلى سواها ولا يخطر بباله غيرها ، وكل دعوى محتاج إلى دليل وبرهان ، وذلك منحصر بحكم نصّ البينة على المدعي واليمين على من أنكر في نوعين ، أمّا بيّنته على دعواه وإثبات شيء له فإنها كانت واضحة ، وهي صورة حاله في الحب ، وذلك ضربان : ظاهري ، وهو النحول والفقر والضعف والبكاء والزفير والأنين الشاهد بصحة دعواه ، وباطني وهو دوام الحزن والكآبة والصبابة ونحو ذلك ، فثبت دعواه بشاهدين عدلين لا يسع لأحد تكذيبهما ، فاحتاج إلى إقامة البرهان على النوع الآخر الذي أنكره ، فتعيّن عليه أن يحلف على تحقيق نفيه وإنكاره بأنه لا محبوب له سواه ، وغاية بغيته وأنهى مراده ليس إلّا إيّاه بأيمان غلاظ ، ولمّا كان من شروط القسم أن يكون المقسم به عظيم الحرمة عميم
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 222 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني