تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
وذلك مشار إليه بقوله تعالى :
ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 )
[ الضّحى : الآية 3 ] . والنوع الرابع : قطع الرجاء بالكلّية المشار إليه في قوله تعالى :
وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ
[ الأعراف : الآية 40 ] ، فها أنا غير متسلّ عن الطلب والحب وغير متخلّ عن الخلّة في كلا الأمرين ؛ لكمال تحققي بالحرية عن رقّ جميع القيود والأوصاف ، وأن عقد محبّتي ليس بمعلل بعلّة من العلل حتى ينحل بسبب من الأسباب ، بل هو أمر محكم وعقد مبرم بحكم اقتضاء ذاتي ؛ فلا جرم كان دائما بدوام الذات ، ولا يتغيّر بتغيّر الأحوال والصّفات .
ولو أبعدت بالصدّ والهجر والقلى وقطع الرّجا عن خلّتي ما تخلّت الهجر : مفارقة بالبدن أو اللّسان أو القلب ، والقلى : شدّة البغض إمّا من القلوّ وهو الرمي ، أو من قليت البسر أو السويق في المقلاة ، والخلّة : المودة المتخلّلة المتوسّطة في خلال النفس وباطنها ، كما قيل : وتحلّلت مسلك الروح مني ، وبذا سمّي الخليل خليلا ، والمعنى قد ذكر .
وعن مذهبي ، في الحبّ ، ما لي مذهب وإن ملت يوما عنه ، فارقت ملّتي المذهب الأول معناه : السيرة والطريقة والعقد التي يبتني عليها أفعاله وأقواله وأحواله ، والمذهب الثاني المرجع وموضع الذهاب إذا رجع عنه والملة كالدين هاهنا ، وما في البيت بمعنى ليس ، ومذهب اسمه ، ولي خبره ، تقديره : ومذهبي في الحبّ ليس لي مذهب عنه ، وعنه متعلق بملت ، والضمير يرجع إلى المذهب الأول . يقول : إن مذهبي ومتعتي في الحب هو الإعراض عن جميع الأعراض والأغراض الدينية والدنيوية ، بل عن كل ما سوى الحبّ ومقتضاه ودوام الطلب وعدم سكون القلب بكلّ شيء من حظ وإرب ليس لي عن هذا المذهب الحقّ موضع ذهاب أذهب إليه إذا تركته وأعرضت عنه ، فلا ذهاب ولا إعراض لي عنه ، وإن اتّفق يوما ما إعراضي عنه بالعرض لا بالعزم والقصد تحقّقت أني حالتئذ مفارق ديني الذي أدين له ، على معنى أن من فارق دينه لم يكن ألأم ولا أنقص ولا أدنى منه ، حتى إنه يباح ماله وعرضه ودمه ، وأنا كذلك إن ملت عن هذا المذهب الذي ذكرت لم يكن في العالم ألأم ولا أنقص ولا أقلّ دينا ولا أكبر ذنبا منّي .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 220 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني