تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
محفوفة بالمكاره ، فالجنّة الحقيقية التي هي محل استتار المحب في ظل كنف المحبوب كيف تنال وتدرك بدون مكاره العناء والبلاء . وأشار بذكر الجنّة ههنا إلى أنها بما وعد المتقون فيها من الدرجات واللّقاء المقيّد بنشأتها هي أعلى أماني أغلب الطالبين الأبرار الذين نفوسهم عبيد حظوظهم الحسّية والوهمية المتعلقة بالنشأة الجنانية ودرجاتها ونعمها المحسوسة ، وبالوصل المقيّد بنشأتها وإذا وصلوا إليها أو تيقّنوا بأنهم واصلون إليها في المآل تسكن سورة طلبهم واطمأنوا بذلك القدر من الوصل المقيّد ، وتسلّوا عمّا وراء ذلك من مراتب الوصل شرع يقول مخاطبا للحضرة المحبوبية أن لي نفس حرّ عن رقّ أمثال هذه الحظوظ والأماني وما ورائها ، بحيث لو بذلت أنت لها ما يكون فوق هذه المنى من الحظوظ واللذّات المتعلقة لما وراء العوالم الكونية والخلقية من التحقّق بحقائق أسمائك ، ووصل تجلّ معين من تجلّياتك على أن تتسلّى عن حبّك ، وتسكن سورة طلبها وهيجان اشتياقها لم تتسلّ بشيء عن حبّك وذاتك ، ولم تلتفت إلى أمر معين ووصل متناه مقيّد ، بل تزداد كل لحظة بحبك حرقة واشتياقا وصبابة واحتراقا . قلت : هذا البيت ذوقه على مذاق ما قال الشيخ أبو الحسن الخرقاني رضي اللّه عنه : أن لأبي الحسن ألما في باطنه باقيا ما بقي إلهه ومحبوبه ، فالحاصل أنه يقول إن التسلّي وحرقة الطلب إنما يمكن سكونه بأحد أمرين ، أحدهما : حصول أمنية الطالب بعينها ، أو لما وراءها مما لا تبلغ همّته وأمنيته إليه ، وهذا الأمر محال بالنسبة إليّ فإن متعلق الحب والطلب بالنسبة إليّ أمر غير متعيّن ولا متناه حتى ينتهي بالانتهاء إليه ، بل متعلق حبّي وشوقي حضرة إطلاق ذاتك ، فلا تنتهي سورة شوقي أبدا ، وهذا لأمر ذكره في هذا البيت ، والأمر الثاني : مما يوجب التسلّي منع من جهة المحبوب وامتناع لازم من جانب المطلوب ، وذلك بذكره في البيت الذي يليه ، وهذا الأمر الثاني ينحصر في أربع مراتب ، أوليها : نفس الامتناع الحاصل من قبله بظهور أثره مرة واحدة إمّا قولا أو فعلا عن تحقّق أثر من الوصل نحو سماع « لن تراني » مثلا ، وهو المراد بقوله : ( لو أبعدت بالصدّ ) . والنوع الثاني : إظهار الهجر مع الامتناع المشار إليه في قوله تعالى :
ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى
( 3 ) [ الضّحى : الآية 3 ] . والنوع الثالث : إظهار القلى وهو بيان عدم المناسبة والملائمة مع الهجر ،