تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
ولو خطرت لي ، في سواك ، إرادة على خاطري ، سهوا ، قضيت بردّتي يقال : خطر ببالي كذا يخطر خطر أنزل وخطر على خاطري يكون بتضمين معنى المرور وتعريف الخاطر وتنوّعاته يجيء بعد هذا مستوفى في شرح بيت ، فإن طرقت سرّا من الوهم خاطري ، والسهو : خطأ عن غفلة وذلك ضربان ، أحدهما : ما لا يكون سببه مجلوبا من جهة الساهي وكسبه ؛ كالطفولية والجنون ونحوهما . والثاني : ما يكون سببه مجلوبا من جهته ؛ كالسكر مثلا ، فالأول معفوّ عنه شرعا ، والثاني غير معفوّ عنه ، وعن الثاني عنى بقوله تعالى :
الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ
( 11 ) [ الذّاريات : الآية 11 ] ، أو الردة والارتداد الرجوع إلى الطريق الذي جاء منه ، لكن الردّة استعملت في الكفر والارتداد فيه وفي غيره ، وسهوا صفة مصدر محذوف تقديره : خطور سهو ؛ كقوله : ضربته سوطا ، ولي متعلق بإرادة ، أي : إرادة لي في سواك . يقول : إن ديني يقتضي أن لا أغفل عنك وعن ذكرك ولا ألتفت إلى شيء سواك ظاهرا أو باطنا بحيث تكون جميع خواطري متكيّفة بذكرك ومنصبغة بحبك والتوجّه إليك ، فلو مرّت على خاطري وقتا من الأوقات رغبة مختصّة بحظ من حظوظي أو حاجة من حوائج نفسي في غيرك وطلب قضاء تلك الحاجة والحظّ من سواك نحو تسبّب بسبب من الأسباب مثل خطور خاطر على سبيل السهو والغفلة ، لا على سبيل القصد ، حكمت حالتئذ على نفسي بالردّة عن الدين القويم والرجوع إلى الكفر الصريح ، والعود إلى ابتداء حالة الجاهلية ، فإن السهو والغفلة فيما يتعلق بك هو من أعظم الذنوب عندي لتضمّنه الميل من الحضور إلى الغيبة ، فكان غير معفوّ عنه بالنسبة إليّ ، وإن كان معفوّا عنه بالنسبة إلى غيري .
لك الحكم في أمري فما شئت فاصنعي فلم تك ، إلّا فيك ، لا عنك ، رغبتي الصنع : إجارة الفعل ، فكل صنع فعل ولا ينعكس ، ولهذا سمّي للصانع المجيد الحاذق صنعا ، وللمرأة صناع والصنيعة ما اصطنعته من خير ، ويقال : رغب فيه حرص عليه ورغب عنه ذهل وأعرض عنه ، الفاء الأولى للسببية ، وما شرطية ، وفاصنعي جزاؤها ، وقوله : لم يك أصله لم يكون حذفت الواو لالتقاء الساكنين بسكون النون بالجازم ، ثم حذفت النون للتخفيف لكثرة ورود هذا اللفظ في كلامهم ، ورغبتي اسم كان وخبره : إلا فيك ، وهو من الاستثناء المفرغ .