وقوله : ولا بالولاء نفس صفا العيش ودّت ، يعني : تمنّى صفاء العيش عن أكدار العناء والبلاء هو من أحكام الطبع والهوى ومقتضياتهما ، وهما مبعدان من حضرة المحبوب لاقتضائهما تقوية آثار الكثرة والانحراف وتمشية غلبة أحكام التضاد والغيرية والبينونة والاختلاف ، وذلك مضادّ ومناقض لمبادىء الحب الذي هو الولاء ؛ لأنه بحقيقته مقرب للمحب إلى حضرة المحبوب ومضعف ، بل مفن سائر أحكام الكثرة والانحراف والتمييز والغيرية والبينية عنه ، ومثبت آثار الوحدة والعدالة فيه ، فإذا تمنّت النفس صفاء العيش مع تحقّقها بالولاء كانت متمنّية جمعا بين المتناقضين والمتضادّين ، وذلك محال .
وأين الصّفا ؟ هيهات من عيش عاشق وجنّة عدن ، بالمكاره ، حفّت
هيهات كلمة تستعمل لتبعيد الشيء ، يقال : هيهيت هيهاء وهيهاة ، وقوله تعالى :
هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ
( 36 ) [ المؤمنون : الآية 36 ] ، قال الزجاج :
البعد لما توعدون ، وقال غيره : غلط الزجاج واستهواه اللام ، فإن تقديره بعد الأمر لما توعدون ، أي لأجله ، والمراد ههنا بعد ، وجنّة عدن ، أي : استقرار وثبات ، يقال : عدن بمكان كذا ، أي استقرّ وحفّ الشيء بالشيء : أطبق حول حفافيه أي جانبيه ، ويستعمل بمعنى أحيط به ، وهو المراد في الحديث والبيت ، والمكاره :
جمع مكروه ، وهو ما يأباه الإنسان من حيث الطبع أو من حيث الشرع ، والمراد ههنا ما يأباه الطبع ، وأين هنا استفهام على سبيل الاستبعاد وهو خبر مقدّم على مبتدئه وهو الصفا ، وهيهات بمعنى بعد ، وما بعده جملة مستأنفة ، وفاعل بعد هو الصفا ، ومن عيش عاشق متعلق به وخبره ، وجنّة عدن حال من الجار والمجرور ، تقديره : بعد الصفاء من عيش عاشق حال كون الجنّة محفوفة بالمكاره .
يقول : وهذا الذي يرومه متمنّي الراحة وصفاء العيش في الحبّ محال ، وأين الصفا وأين هو أبعد الصفا غاية البعد من عيش عاشق حال كون الجنّة الظاهرة المحسوسة محيطة بها المكروهات الطبيعية جميعها ؛ كما نصّ على ذلك الشارع الصادق المحقّ المحقّق صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « حفّت الجنة بالمكاره » « 1 » ، فإذا كانت الجنّة الظاهرة محفوفة بالمكاره كان هذا الحكم أقوى وأشدّ وآكد في الجنّة الحقيقية ،
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الجنة . . . ، حديث رقم ( 2822 ) [ 4 / 2174 ] ؛ والترمذي في سننه ، باب ما جاء حفّت الجنة . . . . ، حديث رقم ( 2559 ) [ 4 / 693 ] ؛ ورواه غيرهما .