يزل أحكام التميّز والمباينة الثابتة بينهما لا يتمكن من حكمه وإظهار أثر كونه وصلة بينهما وموحدا إياهما ، وتلك الإزالة والإفناء لا تحصل إلّا بالبلاء والعناء ؛ لأن قلع شيء راسخ في شيء رسوخا محكما لا يحصل إلّا بأذى يلحق ما يقلع عنه ، فلهذا قلنا : إن الحب مظنّة العناء ومنشأ البلاء ومورد الفناء ، فكل نفس تتخيّل وتتوهّم أنها تتحقّق بالحب ولا تلقى منه عناء ولا يقاسى فيه بلاء علم أنها لا يعلم الحب ولا يفهم حقيقته ومقتضاه ، واعتقدت غيره أنه إياه فمتى ما تعرضت للتحقق به وتصدّت لنيله كانت متصدية لنيل سواه الذي اعتقدته إياه ، فلم يحصل لها غير ما توجّهت إليه وهو غير الحب ، وكانت ممنوعة ومحرومة ومصروفة عن حقيقة الحب ، فإن صورة توهم عدم العناء في الحب مع حقيقته المستلزم والمقتضي عناء وفناء اقتضاء ذاتيّا ضدّان لا يجتمعان في محل واحد أبدا مهما ثبت أحدهما انتفى الآخر .
وما ظفرت بالودّ ، روح مراحة ولا بالولا نفس صفا العيش ، ودّت
الظفر بالشيء : هو الفوز به بطريق التعلق كتعلق الظفر بالشيء ، فإن أصل ظفر أي نشب ظفره ، ثم استعمل مطلقا في الفوز بالشيء وتعلّقه به ، ومراحة : أي التي أعطيت راحة أي سهولة ومسرّة ، والولاء ههنا مبادئ الحب باعتبار معنى القرب والتقريب ، فإن مبادئ الحب مقرّب ووسطه موصل وانتهاءه موحد ، والصفاء الممدود : خلوص الشيء من الشوب ومنه الصفا المقصورة للحجارة الصافية ، والمراد في البيت هو الممدود وقصر لضرورة الشعر ، وكذا الولاء والود ههنا رسوخ الحب وقوّة تعلقه ، وودت ههنا بمعنى تمنّت ، وما في أول البيت نافية .
يقول : ولم تظفر روح أعطيت راحة وسهولة ومسرّة في مرتبتها برسوخ الحب فيها وتمكّنه منها ، فإن رسوخ الحب في شيء لا يكون إلّا بزوال أوصافه المانعة عن ظهور حكم الحبّ فيه حتى يتطرق إلى باطن ذلك الشيء لم يترسّخ فيه ، فما دامت أوصاف ذلك الشيء باقية لا يمكن تطرّق الحب إلى باطنه . ألا ترى أن الود لا يرسخ في الجدار إلا بزوال صلابته عنه ، وحينئذ يمكن ترسخه فوصف السهولة والمسرّة ما دام باقيا في الروح لا يمكن رسوخ الحب فيها ، فلهذا قال :
وما ظفرت بالودّ روح مراحة .