مراده مستريحا فارغا من جميع البليات غير محكوم عليه جبرا وقهرا بالمحن ، وبعد اتّصافه بالحب دخل في حكم الحب وخرج من حكم نفسه واختيارها وصار الحبّ مسلّطا عليه ، فكل ساعة يفنيه عن وصف من أوصافه وحكم من أحكامه ، فوقع في ورطة الهلاك ، فكان مردودا من أنفس العيش وهو الخلوّ عن الحبّ إلى مبادئ الهلاك الذي هو من مقتضيات الحبّ .
وأمّا بالنسبة إلى المتوسّطين والمنتهين ، فأنفس عيشهم تحلّيهم بحلية البلوى وتحلية الحب لهم تلك البلوى بإشهاده إيّاهم بذلك على أنه يقرب منزلهم بتلك البلوى ويسلّمهم إلى الفناء بالكلية ، فكانوا مردودين من أنفس العيش وهو التلذّذ والتحلّي بالبلوى إلى حقيقة الفناء ونهاية الهلاك ، وحيث كان هذا البيت من جملة جوامع الكلام كان شاملا حكم ابتداء الحب ووسطه وانتهائه .
ونفس ترى في الحبّ أن لا ترى عنّا ، متى ما تصدّت للصّبابة صدّت
الرؤية : إدراك النفس أو الروح أو السر شيئا مما يناسب كل واحد منها وبحسب مرتبتها ، إما بذاته أو بصفاته وآلاته ، ولكن بشرط المقابلة والتوجّه . أما النفس ، فآلاتها الظاهرة حواسها الظاهرة ، وآلاتها الباطنة الخيال والوهم والفهم والفكر ، وظاهر العقل المسمّى بالعقل المعيشي المتعلّق إدراكاته بالأمور الدنيوية ، وما يتعلق بالطبيعي وعالم الملك . وأمّا الروح ، فآلتها باطن العقل المتعلق إدراكه بالمعاني الملكوتية . وأمّا السر ، فله بحسب كل مرتبة آلة تناسب تلك المرتبة وهو سرّ كل شيء فترى الأول في البيت رؤية النفس بآلة الوهم والتخيّل ، والثاني رؤيتها بآلة البصر ، والتصدّي : التعرّض للشيء ، وأصله مقابلة الشيء كمقابلة الصدى ، وصدّت من الصدّ ، وهو قد يكون انصرافا عن الشيء وامتناعا ، فيقال منه : صدّ يصدّ صدودا ، وقد يكون منعا وصرفا ، فيقال : صدّ يصدّ صدّا ، والمراد هنا الثاني .
قوله : ونفس مبتدأ موصوف صفته ترى في الحب وخبره أن لا ترى عنا ، ومتى ما للشرطية لأن متى قد يكون شرطا وغير شرط ، وبزيادة ما تمحض للشرطية ومحله نصب على الظرفية والعامل فيه جزاؤه وهو صدّت ، وهذا البيت والبيتان بعده من الكلام الجامع وهو أن يكون البيت كلّه جاريا مجرى مثل واحد .
يقول : إن الحب مظنّة العناء ومنشأ البلاء ومورد الفناء ، فإنه وصلة بين المحبّ والمحبوب وموصل أحدهما بالآخر وموحدا إياهما ، فمهما لم يفن ولم