تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
وإمكان الحصر وتوهّم تمام الذكر ، وذلك جملها وكلّياتها التي ذكرتها وحصرتها في أربعة أبيات تقدمت ، ولها بعد عن الضبط وإمكان الحصر وتمام الذكر ، وذلك وصف كثرة تفصيلها وجزئياتها ولها أبعدية البعد عن الضبط ، وإمكان الحصر وتمام الذكر ، وذلك وصف عدم تناهيها واختفاء كنهها ونهايتها ، فحكم على حسنك بحكم حبك احتمال ما له قرب من الفهم والضبط وإمكان الحصر ، وهو كلّيات الأذى والمحنة والبليّة التي حصرتها ، وباحتمال ما له وصف الأبعدية منها ، وهو ما لا نهاية له ، ولا يمكن حصرها وضبطها ، وهي أبعد بعدما بعد الذي ذكرته من الكلّيات ، فكان ماله بعدد إخلافي الحكم إجمالا وتفصيلا بتبعية طرفيه .
وما هو إلا أن ظهرت لناظري بأكمل أوصاف على الحسن أربت فحلّيت لي البلوى ، فخلّيت بينها وبيني ، فكانت منك أجمل حلية الناظر : ما ينظر به الشخص من بصر أو بصيرة ، وأربت : أشرفت عليه بالزيادة أو بالعلو ، إما من ربا الشيء ازداد ، ومن الربوة التي علت من الأرض ، وحلّيت لي البلوى : أي جعلتها حلوة لقلبي ونفسي من حلا الشيء في فمي ، ولقلبي يحلو حلاوة ، وخليت ههنا أي : تركت ، وأصله تركت في خلاء ، ويستعمل مطلقا ، والحلية : الزينة ، واستعمل في الصفة لتزيّن الموصوف بها . وقوله : هو يرجع إلى القضاء ، وذلك من التقدم المعنوي ؛ كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
( 8 ) [ المائدة : الآية 8 ] ، وما بمعنى ليس ، تقديره : وليس حكم حسنك الداعي إلى حبك إلا ظهورك لناظري وتحليتك البلوى لي عقيبه وتخليتك بيني وبين البلوى عقيب تلك التحلية ، وكون البلوى أجمل حلية منك لي عقيب تلك التحلية ، فكأن معنى مجموع البيت يزهو مقتضى الحسن ، والألف واللام للعهد المتعارف فهمه عموما لا خصوصا ، وعلى يتعلق بأربت ، أي علت وازدادت تلك الأوصاف على الحسن المتعارف في حكم العدالة والملاءمة بحيث لم يبق فيها أثر من حكم المقابلة والضدّية أصلا . يقول : وقضاء حسنك الدّاعي إلى حبك وحكمه عليّ باحتمال مقتضياته من البلاء والعناء المحدود والمتناهي ليس إلّا أنك ظهرت لناظري في نظرتي الأولى
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 213 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني