تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
الأوصاف والأحوال أو المدح ما أضيف إليّ من غير اختيار من المحبة والمودة ، بل من أحكام حبّك ومحكومات حسنك ؟ قلت : وهذا البيت هو لسان الإخلاص في الأحوال ، وهو أعلى من مراتب الإخلاص .
قضى حسنك الدّاعي إليك احتمال ما قصصت وأقصى بعد ما بعد قصّتي القصّ : تتبّع الأثر ، والقصص : الأخبار المتتبعة ، وأقص الحديث : أتتبع في إخباري أثر ما كان واقعا منه ، والقصة والقصا : البعد ، والقصي : البعيد ، والأقصى : الأبعد ، وأقصيته : أبعدته ، ويحتمل هذا البيت عشرين وجها من الإعراب أظهرها وجهان ، أحدهما : أن احتمال مفعول قضى والفاعل حسنك ، وأقصى إمّا فعل ماض من الإقصاء ، وفاعله حسنك ، وهو معطوف على قضى ومفعوله بعد ، وإمّا فعل التفصيل من القضا والقاضي ، وعلى هذا بعد ما مجرور بالإضافة ، وهو الوجه الثاني ، وإليك أي إلى حبك على حذف المضاف . يقول : إن حسنك الكامل وجمالك الشامل الذي يدعو إلى حبك كل من يدركه بحكم مناسبة العدالة والملاءمة المنبئة عن التوحيد ورفع الكثرة والامتياز قد حكم عليّ حكما جازما نافذا بأن احتمل ما ذكرته وقصصته في هذه الأبيات المحن والبلايا والآلام النازلة بباطني في ظاهري المنبعثة مني ومن خارج ، وذكرت جملها وكلّياتها ، وأن أحتمل أيضا ما أبعد عن الانضباط والفهم حسنك بعد ما يكون بعد الذي ذكرته ، وأخبرت به من تفاصيل الآلام والمحن والبلايا وجزئياتها الخارجة عن إمكان الحصر والعد وتصوّر الشرح ، فإن حسنك الموجب لحبّك غير متناه لا محصور أوصافه وكمالاته ، فتكون مقتضياته أيضا لحسبه وحكمه لا تتناهى ولا تنحصر ولا تنضبط أحكامها وآثارها ، فيكون ما بعد ما قصصته من تفاصيل المحن والآلام أبعده حسنك عن الحصر والضبط ، وعن إمكان العد والذكر لعدم تناهيها هذا التقرير على تقدير أن يكون أقصى فعلا ، وبعد منصوبا على مفعوليّته . وأمّا على تقدير كون أقصى اسم التفضيل وبعد مجرورا بها بالإضافة إليه ، يكون المعنى : إن حسنك الكامل الداعي إلى حبّك الشامل حكم عليّ باحتمال ما ذكرته من كلّيات المحن وجملها ، وباحتمال أبعد بعدما بعد قصتي ، يعني أن لمقتضيات حسنك بواسطة حبّك من المحنة والأذى والبلاء والعناء قربا من الفهم والضبط