والباطنية الصادرة من نفسه والواردة عليه من خارج ، وذكر حصر كلّياتها كما فعله في هذا المقام ، فكان المناسب لهذا المقام أن يكون المراد بذكرهما عقيب ذكر المحن المتّصلة والمنبعثة من نفسه ما كان واردا عليه من خارج من المحن والآلام ، وما ذلك الإنكار للمنكرين من أهل الظاهر وتشنيعهم على المحبّين وإيذائهم إيّاهم وأشدّهم إنكارا هذان الصنفان المذكوران ، اللّذان هما شرّ الفتية الإسلامية المشبّهة والمنزّهة .
ومرة يذكرهما في موضع آخر وأراد بهما النفس بقواها وصفاتها الغالب عليها الأحكام التشبيهية والروح بأوصافها وخصائصها الغالب عليها الأوصاف التنزيهية ، التي لأجلها قالت :
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ
[ البقرة : الآية 30 ] ، وذلك عند قرب المحبّ من المقصد ، وقصده خلع لباس الخلقية بالكلية ، ووقوعها عند ذلك في معرض التلاشي ، وأحيانا عند مرجعه من مراتب الحقية إلى مراتب الخلقية ، وحالتئذ لؤم هذه ووشاية تلك يظهران بصورة النفع والإمداد لا بوصف المنع والإفساد ، ووقتا يذكرهما ويريدهما وصف الكثرة ووصف الوحدة ، وذلك في مقام الجمع ، أو جمع الجمع وأحدية الجمع .
ولمّا فرغ من تفصيل كليات أنواع البلايا ورؤيتها منحا وعطايا شرع يذكر ثباته على أهوال أصناف العناء وعدم تغيّر قصده وفتور عزمه في نزول تلك الأهوال والبأساء ، فإن ذلك هو البرهان الواضح على صدق المحبّة وكمال الاستعداد لنيل ما هو المطلب والمراد ، واللّه المرشد إلى السداد .
وما ردّ وجهي عن سبيلك هول ما لقيت ، ولا ضرّاه ، في ذاك ، مسّت
الردّ : صرف الشيء بذاته أو بحالة من أحواله ، ويستعمل في نفس الصرف وهو المراد هنا ، وأصل الوجه : الجارحة التي توجّه بها الأشياء ، ويقال للقصد وجه باعتبار مواجهته للمقصد وهو المراد هنا ، ولمّا كان الوجه أول ما يستقبلك وأشرف ما في بدنك استعمل في استقبال أول الأمر ، فيقال : وجه النهار ، وقيل للذات وجه ، ويستعمل فيما يواجه به الشيء ، والسبيل في الأصل : الطريق الذي فيه سهولة يستعمل مطلقا وهو المراد ههنا ، والهول : المخافة العظيمة ، يقال : هابى الشيء يهولني ، وما الأولى نافية ، والثانية موصولة صلتها ألقيت ، وذا إشارة إلى سبيلك .