يقول : ولم يصرف قصدي ، ولم يفتر عزمي عن سبيل حبّك وطلب وصلك عظم مخوف لقيته وشديد متلف قاسيته من المحن والبلايا المتعلقة بباطني ، والنوازل النازلة بنفسي المنبعثة بعضها من باطنها ؛ كالشوق والاشتياق والحزن والاحتراق ، والعارضة بعضها عليها من خارج ؛ كلوم اللائم وطعن الواشي في نفسي وأهلي وصحبي ، ولم يرد قصدي أيضا عظم ضراء وأليم بأساء مسّت ظاهر بدني وقواه وأعضائه في سبيل حبك ، بل كلما ازداد الحب بلاء وعناء ازددت تحمّلا وثباتا فيه وولاء .
ولا حلم لي في حمل ما فيك نالني يؤدّي لحمدي ، أو لمدح مودّتي
الحلم : ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب وجمعه أحلام ، واستعمل بمعنى العقل لكونه من أسباب تسمية السبب باسم المسبّب ، والحمل : لفظ واحد لمعنى واحد سوى بين لفظه في فعل ، وفرّق بين كثير منها في مصادرها ، فقيل :
فيما يحمل في الظاهر كما يحمل على الظهر حمل بكسر الحاء ، وفي الأثقال المحمولة في الباطن صورة ، كالولد والماء في السحاب والثمر في الشجر ، أو معنى كالوزر والأمانة والرسالة ، حمل - بالفتح - والمودة ، والودّ : محبة الشيء وتمني كونه ، ويستعمل في كل واحد منها ، وقيل : إذا رسخ التمنّي صار ودّا ، ومنه سمّي الوتد ودّا لرسوخه في الجدار ، ويؤدّى أي يوصل ، ولام لحمدي ولمدحي بمعنى إليّ متعلقة بيؤدي بتضمين معنى يوصل ، ولي متعلقة لمحذوف وهو خبر لا حلم ، وهو كائن ، ويؤدي صفة له أي يؤدي ذلك الكائن إلى الحمد والمدح .
يقول : إن ضبط نفسي ومنعها عن هيجان الغضب فيما يقتضي ذلك عندما نالني من شرّ الفتية وقدحهما وتشنيعهما عليّ وعلى كبار أوليائك وأهل ولائك من الأذى النازل بي من ذلك اللّوم ، واللّوم لم يكن لأجل شيء يؤديني ويوصلني إلى أن تكون نفسي محمودة في نفسها بصفة الحلم ، أو يكون وصف مودّتي مذكورا أو ممدوحا على الألسن ، فما حملني طلب هذا الحمد والمدح لذاتي ولمودّتي على هذا الحلم والاحتمال أو على الثياب ، فما نالني من الأذى والمكروه ، أو على عدّ ذلك نعمة وراحة ، فإني أرى جميع ذلك من مقتضيات حبّك ومقتضيات حسنك النازل بي من غير اختياري ، فكيف أتوقع أن أحمد بما ليس لي ولا مني من