تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
وبالنسبة عن النقد ؛ وذلك لأجل ضلالتهم وعماهم عن حقيقة المطلب الأعلى والمقصد الأولى ، فلهذا قال : ذاك يهدي إلى الغفلة ، التي هي السلوّ عن وصل المحبوب في الحال إلى أن يأتي وقته في المآل لأجل ضلالته عن إمكان الوجدان على كل حال . والصنف الرابع من الفتية : هم الذين مالت بهم المقيدة المنحرفة المائلة إلى جانب تنزيه حتى أقبلوا على نفي الصفات العلى ، ونفي ظهور الحق بها بوجه من الوجوه وقيّدوه بنفي الصفات عنه وأنكروا اللقاء مطلقا ومقيدا ، ولم يروا للعبد إلى الرب سبيلا أصلا . نعم اللّهمّ إلا إلى أثر فعله المقيد بالنشأة الجنانية ، فأثرت هممهم الخسيسة الأثر على العين وآثرت فهم عقولهم المقيدة الخبيثة حتى قنعوا عن الشهود والعيان والبيان بالبين ، وآل أمرهم إلى إنكار المحبة المتعلقة بالحضرة الجمعية والتشنيع بها على أهلها ، ونسبتهم إيّاهم إلى الكفر والحلول ، كما فعله الزمخشري عفا اللّه عنه منهم من تشنيعه على كبار هذه الطائفة العادلة في كتابه عند تفسير قوله تعالى :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : الآية 54 ] ، فكان هذا الصنف أيضا باتّصافهم بهذا الميل والانحراف والتشنيع والإنكار شرّ فتية ، وهم أهل الوشاية بهذيان هذا التشنيع والقدح الفظيع في أهل المحبّة الحقيقية والمعرفة الأصلية والافتراء في حقّهم بالحلول في دعوى الوصول معتقدين أنهم يريدون بذلك تعظيم المحبوب الحقيقي وتنزيهه وتقديسه عمّا لا يليق بجنابه المقدس تعالى وتقدّس ، ويرمون الذبّ عن جلال وحدانيّته والتعصّب لكمال قدس فردانيّته والتقرّب بذلك إليه متعلّلين بعلة الغيرة على جناب عزّته من نسبة غيره وخلقه إليه ، ودعوى انتساب ما سواه إلى محبّته والحظوة من وصله قائلين : ( ما للتراب وربّ الأرباب ) ، وهذه الأوصاف الذي عددناها كلّها من خصائص الوشاة ، ولهذا قال : ( وذا بي ظلّ يهذي لغرة ) ، أي : هذا الصنف الرابع من الفتية الذي هو الواشي صار يهذي بي بهذيان التشنيع والافتراء بالقول بالحلول والتشبيه بعلة الغيرة على تلك الحضرة .
أخالف ذا ، في لومه ، عن تقى ، كما أخالف ذا ، في لؤمه ، عن تقيّة المخالفة والاختلاف : أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في الحال أو الفعل أو القول ، والخلاف أعمّ من الضدّ ؛ لأن الضدّين مختلفان ، وليس كل مخالفين ضدّين ، وأصل التقى والتقوى من الوقاية ، وهي حفظ الشيء مما يؤذيه