تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
وغلب عليهم حبّه وطلب التحقّق بحقيقة وصله من غير تسلّ منه بأثر وحظ نفساني كالجنة وجميع نعيمها ، والوصل المقيّد بالنشأة الجنانية وهذا الصنف هم خير الفتية والطائفة العادلة المعدلة أرباب طريق وأصحاب أحوال ومقامات ومحبّة ومعرفة وتوحيد وتحقيق . والصنف الثاني : هم المؤمنون بهم والمحبّون إياهم والمسلمون المسلّمون إليهم أحوالهم ومواجيدهم وحبّهم وما يخبرون من علومهم ، وإن لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك وسرّه فلم ينكروه ، بل يقبلونه بالإيمان ويسرحونه في بقعة الإمكان ، وهذا الصنف أيضا هم معدودون في زمرة خير الفتية ؛ لما ورد : « من أحبّ قوما فهو منهم » « 1 » ، و « أنت مع من أحببت » « 1 » . والصنف الثالث : هم الذين مالت بهم أحكام نفوسهم الملهمة فجورها وتقواها عن سلوك السبيل القويم والصراط المستقيم الذي هو جمعية
لَيْسَ كَمِثْلِهِ ، شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشّورى : الآية 11 ] . وعن السوائية بين التنزيه والتشبيه ، وبين الغلوّ والتقصير ، فانحرفوا ومالوا إلى جانب تشبيه وأنكروا تجريد التوحيد وسرّ التفريد ، وكثيرا من هذا النوع من الكشوف والمواجيد والمحبة الخالصة عن شوائب حظوظ النفس والشهودات المخلصة عن مدارك الحسّ ، وحيث لم ترتق هممهم عن النّعم المحسوسة الجنانية واللقاء المقيّد بتلك النشأة الجنانية فيها أنكروا من أحب أو رام فوق ذلك وكفروه ورموه بالزندقة ، وبالغوا في لومه وإيذائه ، وأفرطوا في منعه عن معاناة الحب وعنائه ، فهم بهذا الميل والإنكار شرّ الفتية من حيث الوصف العام الإيماني ، فعنى الناظم رحمه اللّه باللّاحي عن هذا الصنف ، فإنهم يلومون أهل الطريق والمحبة عليها وعلى معاناتها ومقاساة شدائدها ويدعونهم إلى الغفلة والإعراض عن الأمر المحقّق وحب الحق ، يدلونهم إلى ترك العشق والسلوّ بالمقيد عن المطلق ،
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب الحبّ في اللّه عزّ وجلّ . . . ، حديث رقم ( 5817 ) [ 5 / 2283 ] ؛ ورواه مسلم في صحيحه باب المرء مع من أحبّ ، حديث رقم ( 2640 ) [ 4 / 2034 ] ؛ ورواه غيرهما . ونصه : عن أبي وائل قال : قال عبد اللّه بن مسعود : جاء رجل إلى رسول اللّه « صلى اللّه عليه وسلم » فقال يا رسول اللّه : كيف تقول في رجل أحبّ قوما ولم يلحق بهم ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « المرء مع من أحبّ » . ورواه الحاكم في المستدرك بلفظ : « من أحبّ قوما حشر معهم » . كتاب الهجرة ، حديث رقم ( 4294 ) [ 3 / 18 ] .