تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
بإيذائهم وبلاهم ، فإن كل شيء يعمل على شاكلته ، فالحجب البرانية لا تنكشف إلا لمحن خارجية ، والجوانية لمحن باطنية ، والمنفصلة لمحن منفصلة ، والمتّصلة ببلايا متصلة ، والظاهرية لمحن ظاهرية .
فلاح وواش : ذاك يهدي لعزّة ضلالا ، وذا بي ظلّ يهذي لغرّة اللّحى أصله من لحوت العصاء إذا قشرت لحاها أي قشرها ، ثم استعمل في اللّوم باعتبار إرادة اللائم إزالة وصف مذموم في معتقده عن الملوم كما يقشر عن العصاء لحاها ، فسمّي لا حيا ، والوشي أيضا مصدر وشيت ، أي جعلت فيه أثرا يخالف معظم لونه ، واستعمل في الكلام المصنوع تشبيها بالمنسوج ، وسمّي النمّام واشيا كأنه ينسج فيمن يشي إليه لباس بعض من يشي به باستقباح وصفه ، ويهدي من الهداية ، وهي الدلالة بلطف إلى خير وكمال ، وقد يستعمل في نفس الدلالة مجازا ، أو على سبيل التهكّم والتهزّؤ ؛ كما قال :
فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ
[ الصّافات : الآية 23 ] ، والمراد هنا نفس الدلالة مجازا ، والضلال : ضد الهداية ، ومعناه العدول عن الطريق المستقيم ، وظلّ من أخوات كان معنى وعملا ، والغرّة : غفلة في يقظة ، والغرار : غفلة في غفوة ، ويهذي : من الهذيان ، وهو الكلام الذي لا فائدة فيه صورة أو معنى ، والغيرة : إرادة إزالة تعلق الغير وحكمه وأثره وقربه عن المطلوب والمرغوب فيه مع طلب الانفراد بجميع ذلك منه مع حصول تمكّن بوجه ما من المطلوب ، وقوله : فلاح وواش خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : أما الذي ذكرت من شرّ الفتية فهو لاح وواش ، أو مبتدأ محذوف الخبر أي فلاح وواش منهم ، واللام في قوله : لغرّة بمعنى إلى حرف تعدية ثاني مفعول يهدي ومفعوله الأول محذوف ، أي يهدني إلى الغرة ، وضلالا منصوب على المفعول له ، أي يهدني إلى الغفلة عن الحب لأجل ضلالته عن طريق الحبّ . يقول : إن الفتية كما قدمنا أن لهم وصفا عامّا وصفا خاصّا ، فتارة يذكرون بوصفهم العام وهو الإيمان ، مرة يذكرون بوصفهم الخاص ، فذكرهم بشرّ الفتية ههنا بالوصف العام ؛ وذلك لأن الفتية هم أربعة أصناف : صنف غلب عليهم طلب المقصد الأعلى ووصله من حيث عدم تقيّده بقيد معيّن ، أو إطلاق ، أو صفة تشبيهية ، أو صفة تنزيهية ، بل ليطلبونه من حيث جمعيته بين جميع التعيّنات الصفاتية والغلبة والظهور بها من غير انحصاره في شيء منها ،
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 205 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني