وهو الشعور بنفسه بعد الغيبة عنها ، وفيك أي في حبّك ، ومنك : أي من حكمك وحكمتك كلّها على حذف المضاف .
يقول : لمّا كان أمر الحبّ مبنيّا على أمرين ، أحدهما : من جهة المحب ، وهو الميل والطلب المستلزمان محنة حرفته وحرارته لإزالة أحكام امتيازه وبينونته ، والثاني : من جهة المحبوب وهو العزّة والامتناع المؤذن بحرمان المحبّ وصل محبوبه ، وعلّة هذا الامتناع حكمان ، أحدهما : حكم وحدة المحبوب وغناه عن كل ميل وحظ وصفة ونسبة ، والثاني : حكم كثرة المحب بميله وطلب حظوظه ، بل عين أنانيته المباينة عين وحدة المحبوب ، فما دام حكم تلك الكثرة أو أثر منه باق يمتنع المحبوب ، فكان مقتضى هذا إزالة أحكام الكثرة عن المحب ثم عينه وأنانيته ، لهذا المعنى يقول : إن حرماني من وصلك الذي مبدأه حكمك وحكمتك البالغة نعمة عظيمة في حقّي ، لأنك إن سامحتني بالوصل عند فناء بعض أوصافي وبقاء بقيّة منها ، ولم أشعر بتلك البقية حين أبقيتني بشيء من وصلك مقدارا بقدر ذلك الفناء ، وشغلتني بذلك عن طلب الشعور بتلك البقية من أنانيتي والتوجّه إلى التحقيق بفنائها كان ذلك بقاء ووصلا مقيّدا بحكم وصف مخصوص معرضا للاحتجاب والهجران الدائم عن الوصل الحقيقي الذي لا يعترضه هجر واحتجاب أصلا ، وإنما كان ذلك القدر من الوصل الجزئي سببا للانبساط وترك الأدب للتعرّض للوصل الحقيقي مع بقاء تلك البقية الناقصة من أنانيتي ، فكانت علّة الهجر والحرمان آكد ومحنته أتمّ ، وحيث لم تسامحني بذلك الوصل المقيّد ، بل أبقتني في حجاب وحرمان وسلّطت عليّ أحكام حبك لإفناء جميع بقاياي من الأوصاف ، بل لمحو أنانيتي بالكلية ، بحيث لا يبقي ولا يذر مني شيء أصلا ، حتى إنك إذا أبقيتني ببقائك الأصلي بعد ذلك الفناء الحقيقي وأوليتني وصلك الأصلي كان ذلك أكمل ، وذلك البقاء أدوم وأشمل ؛ لا جرم محنة حرماني الوارد عليّ من حكمك وحكمتك عين الإنعام والامتنان في حقي ، ثم استدرك في ذلك وقال : إن حرماني المذكور المستلزم محنتي فناء الخفايا من بقايا أوصافي وفناء أنيتي بالكلية ما هو وحده نعمة ومنّة ، بل بلاء شعوري بنفسي بالحضور معها وبالآلام النازلة بي بعد غيبتي عنها بالصعق الذي هو مقتضى آخر الطور الأوّل الحبّي أيضا نعمة في حقي بعين هذه العلة التي ذكرتها في الحرمان ، وهاتان المحنتان والبليّتان أيضا كلتاهما باطنيتان رأيتهما نعمتين سابقتين ، ثم إن لبس لباس الفقر والضرّ ونحوس البؤس
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 203
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢٠٣