الرؤية في مقابلة كل محنة وبلية شكرا مكان ما كان يجعل قبل هذا في مقابلتها شكيّة بحكم مقام كان حالتئذ فيه ، ثم جاء وصدق ما أخبره من حالته المتأخرة ومقتضاها الذي عمّ محنه النازلة في ظاهره وباطنه من تباريح الشوق وسورة حرارة العشق مجملا ، وقال : ارتعدت وأفرطت تباريح الصبابة وجاوزت قوة احتمال بشريّتي ، فأنا أعد ذلك التعدّي من النّعم العظيمة والمنن العميمة في الحب ، لأني أرى ذلك من مقتضيات الحبّ وتصرفاته في المحب لإزالة الحجب ، ولما ذكر في هذا البيت مجملا أن المحن النازلة على المحبّ هو من مقتضيات الحبّ وتباريح شوقه فصل في البيت الذي يليه وعداه في ثلاثة أبيات وحصر كليات أنواع المحن النازلة على المحبّ في خمسة أنواع ووجوه الحصر أن المحنة النازلة بالمحب بعد أن تحقّق أنها من مقتضيات الحب إمّا أن تكون واردة عليه من خارج منفصلة عن نفسه ، أو منبعثة منه ومتّصلة به ، فإن كانت من خارج فهي محنة ملامة اللائم ووشاية الواشي في الحبّ ، وإن كانت منبعثة منه ومتّصلة به ، فلا تخلو إمّا إن كان من جهة المحبوب وعدّه وامتناعه عن الوصل ، فيشتد بذلك حرقة المحب وشوقه أو من جهة المحب وكثافة حجب نفسه وطلب حظوظها المتعلقة بالمحبوب وغيره ، وفي كلا القسمين إمّا أن تكون المحنة نازلة بباطنه كالحزن والكآبة والحرقة ونحو ذلك ، أو بظاهره كالنحول والآلام والأسقام ونحو ذلك ، وليس غير هذه الأنواع محنة على المحب أصلا ، فيذكر في هذا البيت الثاني أربعة أنواع منها ، وفي ثلاثة أبيات أخر خامسها ويذكر عقيب كل واحد رؤيتها نعمة ومنحة وعطية .
ومنك شقائي بل بلائي منّة ، وفيك لباس البؤس أسبغ نعمة
الشقاء : ضدّ السعادة التي هي معاونة الأمور الإلهيّة على نيل الخير ، فالشقاء يكون حرمان تلك المعاونة ، لهذا فسّروا الشقاء بالحرمان من جهة المعنى وهو المراد ههنا ، واللباس : اسم لما يستتر به ، ثم جعل اسما لكل ما يغطي به نفسه من القبح ، وهو اسم استعمله في البيت بمعنى المصدر ، والبؤس والبأساء الشدّة ، لكن أكثر استعمال البؤس في الفقر والحرب والبأس والبأساء في النكاية ، وإسباغ النعمة : توسيعها من قولهم درع سابغ ، أي : واسع تمام ولا يجعل منك صلة شقائي لأن معمول المصدر لا يقدم عليه ، إلا أن يكون تقديمها للتبيين وتعلّقها بمحذوق ، تقديره : أعني منك كذا ذكره ابن الخباز ، وقد حذف المضاف في بلائي