معنيين أحدهما تحمل المشقّة في الثبات على الطلب ، وذلك يتضمّن معنى الثبات ، والثاني السلوّ والإعراض يتضمن معناهما .
يقول : وعاقبة ثباتي على مقاساة الشدائد في حبك محمودة بموجب من ثبت نبت ، فإنه موصل إلى المطلوب آخر الأمر . وأمّا سلوتي عن وصلك وإعراضي عن طلبك بحكم كل ذنب لك مغفور سوى الإعراض عني فغير حميدة ، فإنه مورط في ورطة الخسار والنقصان السرمدي والدمار والحرمان عن السعادة الأبدية والدولة والعيشة المهناة السرمدية .
وما حلّ بي من محنة ، فهو منحة وقد سلمت من حلّ عقد عزيمتي
أصل الحلّ : حلّ العقدة ، يقال : حللت العقدة أحلّها حلّا ، ومنه يقال :
حللت نزلت أحلّ حلولا من حل الأحمال عند النزول ، ثم جدّد استعماله للنزول ومنه استعير أيضا قولهم للشيء حلّ يحلّ حلالا كأنه يحلّ عند عقدة منع الحرمة ، ثم اشتقّ اسم الحليل والحليلة من تلك الاعتبارات الثلاث ، فإن كل واحد يحلّ الإزار لصاحبه وينزل به ويحل له ، والمحنة : البلاء الذي يمتحن به المرء ، والمنحة : العطية ، والسلام والسلامة : التعدّي عن الآفات والنقائص ، يقال : سلم يسلم سلامة وسلاما ، والعقد : الجمع بين أطراف الشيء الأصل في الأجسام الصلبة كعقد البناء والحبل ، ثم استعير في المعاني كعقد البيع والعهد والحبّ وهو المراد هنا ، والعزم والعزيمة : عقد القلب على إمضاء الأمر فيقال : عزمت الأمر وعزمت عليه وعزم الأمر ، وما موصولة صلتها حلّ ، والعائد ضمير مستكن فيه ، ومن لبيان ذلك الأمر الحال به ، وهذه جملة ابتدائية خبرها فهو منحة ، والمصراع الثاني جملة فعلية منصوبة المحل على الحال من الجار والمجرور الذي هو بي ، والعامل فيه حل .
يقول : وكل شيء تنزل بي في ظاهري وباطني من محنة وعناء ومشقة وبلاء ، فذلك عين عطاء ونعمة وإحسان ومنّة منك في نظري ، فإن حالي ووصفي اللازم لذاتي سلامة عقد عزيمة حبّي وتوجّهي إليك من النقصان والسلوان وتوهم الانحلال وتصوّر الاختلال ، بل مقتضى عقد محبّتي وعهد مودّتي الترقي في مدارج الاشتداد ومعارج الازدياد . فأعاين في هذه الحالة بحسبها وحكمها أن كل بلاء ومحنة تنزل بي هو من مقتضيات الحب في ترقّيه في مراتب أطواره ليزيل حجبا كثيفة حائلة