تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
معنيين أحدهما تحمل المشقّة في الثبات على الطلب ، وذلك يتضمّن معنى الثبات ، والثاني السلوّ والإعراض يتضمن معناهما . يقول : وعاقبة ثباتي على مقاساة الشدائد في حبك محمودة بموجب من ثبت نبت ، فإنه موصل إلى المطلوب آخر الأمر . وأمّا سلوتي عن وصلك وإعراضي عن طلبك بحكم كل ذنب لك مغفور سوى الإعراض عني فغير حميدة ، فإنه مورط في ورطة الخسار والنقصان السرمدي والدمار والحرمان عن السعادة الأبدية والدولة والعيشة المهناة السرمدية .
وما حلّ بي من محنة ، فهو منحة وقد سلمت من حلّ عقد عزيمتي أصل الحلّ : حلّ العقدة ، يقال : حللت العقدة أحلّها حلّا ، ومنه يقال : حللت نزلت أحلّ حلولا من حل الأحمال عند النزول ، ثم جدّد استعماله للنزول ومنه استعير أيضا قولهم للشيء حلّ يحلّ حلالا كأنه يحلّ عند عقدة منع الحرمة ، ثم اشتقّ اسم الحليل والحليلة من تلك الاعتبارات الثلاث ، فإن كل واحد يحلّ الإزار لصاحبه وينزل به ويحل له ، والمحنة : البلاء الذي يمتحن به المرء ، والمنحة : العطية ، والسلام والسلامة : التعدّي عن الآفات والنقائص ، يقال : سلم يسلم سلامة وسلاما ، والعقد : الجمع بين أطراف الشيء الأصل في الأجسام الصلبة كعقد البناء والحبل ، ثم استعير في المعاني كعقد البيع والعهد والحبّ وهو المراد هنا ، والعزم والعزيمة : عقد القلب على إمضاء الأمر فيقال : عزمت الأمر وعزمت عليه وعزم الأمر ، وما موصولة صلتها حلّ ، والعائد ضمير مستكن فيه ، ومن لبيان ذلك الأمر الحال به ، وهذه جملة ابتدائية خبرها فهو منحة ، والمصراع الثاني جملة فعلية منصوبة المحل على الحال من الجار والمجرور الذي هو بي ، والعامل فيه حل . يقول : وكل شيء تنزل بي في ظاهري وباطني من محنة وعناء ومشقة وبلاء ، فذلك عين عطاء ونعمة وإحسان ومنّة منك في نظري ، فإن حالي ووصفي اللازم لذاتي سلامة عقد عزيمة حبّي وتوجّهي إليك من النقصان والسلوان وتوهم الانحلال وتصوّر الاختلال ، بل مقتضى عقد محبّتي وعهد مودّتي الترقي في مدارج الاشتداد ومعارج الازدياد . فأعاين في هذه الحالة بحسبها وحكمها أن كل بلاء ومحنة تنزل بي هو من مقتضيات الحب في ترقّيه في مراتب أطواره ليزيل حجبا كثيفة حائلة
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 200 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني