تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
وقوله : لأشكت جواب لو أشكّ بحذف الواو لضرورة الشعر ، يعني : لو أشكو إلى الأعادي لسعوا في إزالة شكايتي . يقول : إن حمل نفسي على الصبر على البلايا وعلى عدم إظهارها للأعادي الذي هو معنى حسن التصبّر منعني عن شكاية مقاساة البلايا إلى الأعادي ، ولو شكوت إليهم لرثوه إليّ ولسعوا في دفع موجبات شكايتي مع رضاهم بحلول أصناف البلايا بي ، وكأنه أراد بالأعداء الواشي واللائم وبإزالة شكواه ترك الوشاية واللّوم أو النفس والشيطان ، وبدفع سبب شكواه تسليتهم إيّاه عن معاناة الحبّ ومقاساة شدائده بوساطة إفراغ جهدهم في عرض الملاذ الطبيعية عليه وشغلهم إيّاه بها عن معاناة الحبّ ، مع أنه لا يجدي في ذلك جدّهم ولا ينفع دفعهم ، ولا يقرّ برؤية التسلّي منه عينهم ، ولا يشغله عن شأن حبّه وتوجّهه إلى حبّه جهدهم وسعيهم ، بل يزداد بذلك وهي شوقه وكربه وينمو بلاه وتعبه ومحنته وحرّقته .
وعقبى اصطباري في هواك حميدة عليك ، ولكن عنك غير حميدة العقب والعقبى : أصله من العقب الذي هو مؤخر الرجل ، وهما يختصّان لما يحصل في آخرة الأمر من الثواب دون العقاب . وأمّا العاقبة ، ففي إطلاق صيغتها عن الإضافة يختصّ بالثواب أيضا ، ولكن إذا أضيفت فقد يستعمل في العقاب نحو قوله تعالى :
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ
( 10 ) [ الرّوم : الآية 10 ] ، والاصطبار : تحمّل النفس في المكروه على الصبر بقدر الوسع ، فيقال : صبر واصطبر على كذا إذا حمل نفسه وحبسها على تحمّله ومقاساة طلبه من غير فتور ورجوع ، ويقال : صبرت عن كذا إذا سلوته ، وأعرضت عن تطلبه ، والحمد : هو وصف الشيء بالفضيلة الحاصلة بلسان الحال أو لسان المقال ، فيقول : حمدته فهو المحمود في نفسه وأنا حامده ، أي واصفه لما أدركته مما هو عليه ، والحميد فعيل منه تارة بمعنى المفعول وهو المراد ههنا ، وتارة بمعنى الفاعل وهو - أعني الحمد - أخص من المدح ، فإن الحامد لا يكون إلّا صادقا والمادح يصدق تارة ويكذب أخرى ، وهو - أعني الحمد - أعمّ من الشكر ، فإن الحمد ينطلق فيما عليه وفيما منه ، والشكر لا ينطلق إلّا فيما منه ، وحرفا الجرّ في عليك وعنك متعلّقان باصطباري ، فإنهما حرفا تعدية الصبر في استعماله في
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 199 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني