البصر من الأعيان والنفس من الأعمال والأحوال ، واللّام في قوله للعدى بمعنى الأجل متعلقة بيحسن ، وعند يتعلق بيقبح وقد حذف المضاف في قوله غير العجز ، وهو الإظهار .
يقول : ما ذكرت من مقاساة شدائد الحبّ إنما كان لإظهار العجز والضعف في مقابلة سطوات الحبّ وقوة المحبوب ولإبانة الفاقة والحاجة إلى نظر مرحمة ومعونة في حمل هذه المؤونة ، فإنّ الإنسان إذا أصابته شدّة ومحنة يحسن أن يظهر تجلّدا وقوّة مقاومة مع تلك الشدّة والمحنة لكيلا يشمت به أعداؤه ولا يفرحوا بذلك . وأمّا عند الأحبّة ، فيقبح غير إظهار العجز والضعف وطلب المرحمة والمعونة منهم ليعينوه في الخلاص عنها ، وخصوصا إذا كانت تلك النازلة الشديدة واقعة من حبيب قادر قاهر ذي سلطان وصادرة من أثر قهره وقوة سطوته ، فمهما أظهر في مقابلة ذلك قوّة وتجلّدا كان في ذلك شبهة ادّعاء مقابلة ومقاومة مع سطوته ، فتزداد بذلك سورة سطوته وقهره ومتيما قوبلت سطوته بعجز وضعف واستكانة تسكن حينئذ تلك السورة وبدلت بالرحمة ، ومما يدلّ على صدق هذه القضية قصة سمنون المحب أنه قال في بعض خلواته ومناجاته :
وليس لي في سواك حظ * فكيف ما شئت فاختبرني
لما كان فيما قاله شبهة ادّعاء المقاومة مع ابتلاءات محبوبه سلّط عليه من ساعته عسر البول تأديبا له حتى اضطرّ وأبان عجزا واستكانة وسمّى نفسه كذابا ، حتى إنه كان يدور في أزقّة بغداد معطيا للصبيان شيئا على أن يدعونه كذّابا ويتضرّع لهم ويقول : ادعوا لعمّكم الكذاب ، فكان ملقبا بسمنون الكذاب ، وأهل اللّه يسمونه بسمنون المحب ، وكان من أكابر أهل اللّه المشهورين .
ويمنعني شكواي حسن تصبّري ولو أشك للأعداء ما بي لأشكت
الشكوة والشكاية والشكاة والشكوى : إظهار البثّ ، يقال : شكوت إليه وأشكاه يجيء بمعنيين ، أحدهما : جعلت له شكوى كأمرضته ، والثاني : أزال شكايته ، ومنه ما روي : شكونا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حرّ الرمضاء ، فلم يشكنا أي لم يأمر بما يزيل شكوانا ، وأصله فتح الشكوة وإظهار ما فيها وهي السقاء الصغير ، واللّام في قوله : للأعادي : بمعنى إلى متعلّقة بأشكّ حرف تعدية للمفعول الثاني ،