ما تبدى به من ذكر العذر ، ثم على نحو ما نبّهنا لك تذكّره فاستحضر ورد كل بيت إلى ما فهمته على الترتيب ترى الأبيات ومعانيها مبنية بعضها على بعض ، واللّه المرشد .
ولم أحك ، في حبّيك ، حالي تبرّمّا بها لاضطراب ، بل لتنفيس كربتي
الحال ههنا ما قام بالمرء من الصفات ، والتبرّم : إظهار السآمة والملال بتشديد الأمر الذي لا يلائم وترديده وأصله من إبرام الحبل وهو ترديد فتله وتشديد بذلك ، والاضطراب : ههنا تردّد الأمر بين ذهاب وثبات ، والتنفيس :
التفريح وإزالة الضيق ، والكربة : الغمة النازلة على النفس من الغمّ ، ويصح أن يكون أصلها من كربت الشمس إذا دنت للمغيب ، ويستعار بهذا المعنى عن القرب ، ومنها سمّيت طبقة من الملائكة المقرّبين كروبين ، ويمكن أن يكون أصل الكرب والكربة من الكرب ، وهو عقد غليظ في رشاء الدلو قد يوصف الغمّ بأنه عقد شديدة في القلب ، وقوله : حبيك : أي حبي إياك والجار والمجرور في بها متعلق لحالي ، وحالي مفعول لم أحك ، واللام في قوله لاضطراب لام التعليل متعلقة بلم أحك حالي لأجل التبرّم والتضجّر من الآلام والأسقام لعلّة اضطراب وخلل واقع حبّي في بل أحكيها والتضجّر والتبرّم منها لعلّة تنفيس الكربة ونفثة المصدور ، وعلى هذا يكون التبرّم مثبتا ، وبل إضراب عن الاضطراب ، ويمكن أن يكون منفيّا والإضراب واقع عن التبرّم والاضطراب معا ، والأوّل أوجه .
يقول : هذا الذي حكيت من الشدائد وآلام الحبّ وعناه إفنائه النازلة بي ومن تبرّمي بها ليس لعلّة اضطراب في حبي وميلي إلى السلوان ، بل إنما كانت حكايتي عن أحوالي تفريجا للهمّ وتنفيسا لكربة الغم الذي يكاد كبدي أن يشقّ وقلبي أن يتلف من الامتلاء بالحزن والغمّ وستر الحب ، فتنفست بذكرها لإزالة ذلك الضيق والشدّة عن باطني ولعرض عجزي وضعفي عن مقاومة سطوات قهر سلطان الحبّ لا لميل إلى السلوان ، وخلل في الحبّ وانحدار إلى النقصان .
ويحسن إظهار التجلّد للعدى ، ويقبح غير العجز ، عند الأحبّة
العدى : جمع عدوّ وأصل ذلك من العدو بمعنى التجاوز ومنافاة الالتئام ، فتارة يعتبر ذلك في القلب ، فيقال له : عداوة ومعاداة ، ومرة في المشي فيقال :
عدو ، وتارة في الإخلال بالعدل فيقال : عدوان واعتداء ، والقبح اسم لما ينبو عنه