أي دون تهذيبها بالفناء ، ومن جملتها تألم المحب من آلام الحب وأسقامه وطلب الخلاص من كربها وإرادة الهلاك لأجل ذلك الخلاص ، وهذه الإرادة والطلب بما تضمّنا من التعلق إلى حصول لذّة وراحة في مقابلة الهرب من ضدّهما كل ذلك من بقايا النفس الواجب زوالها وفناؤها ، ثم يؤول الأمر إلى أن يرى تلك الآلام مزيلة أحكام امتيازه عن المحبوب ، فبعد كل ألم وسقم نعمة ومنّة موجبة للقيام بحقوق شكرها ، وفي أثناء تلك الرؤية تجد من عين تلك الآلام لذّة ، وتلك الرؤية ، واللذّة أيضا من تلك البقايا الواجب إفناؤها ، وغاية ذلك أن يريد ما يريده المحبوب ، وذلك أيضا صفة باقية منها فيه ، ثم بعد ذلك إرادته محبوبه وغاية بغيته وخيرته هو ، ثم إحساسه بأنه محب محبوب كامل الجمال وشامل الكمال جميع ذلك من بقايا صفات النفس في المحب لازم إفناؤها حتى يرتقي إلى طور آخر فوق هذا الطور ، وهذا الذي ذكرنا أمور مجملة مشتملة على تفاصيل جمّة ؛ لهذا قلنا :
إن المحب المتقلّب في أحوال الحبّ وأطواره ينتهي به الحبّ مرات إلى آخر طور منه ، ثم يعيده إلى أوّله ليتحقّق بفناء مثل هذه البقايا المذكورة ، فلما ذكر من أحواله بلسان مبدأ الطور الأول وبلسان وسطه وبلسان انتهى به في هذه الأبيات إلى ههنا بحيث ذكر رجوع تعين الحب إلى إطلاقه عاد يذكر بلسان رجوع الحبّ به إلى إحساسه بما جرى عليه ، ومنه من مقاساة عناء الفناء وعدّ أصنافه وأنواعه ، والآن يذكر على سبيل الاعتذار عن عد أصناف مقاساة من الشدائد ، وقال : إن ذكر هذا هو على سبيل تنفيس كربة وتفريح غمّ الألم والتبرّم من ضيقه لأجل اضطراب وخلل في الحبّ ، وفي ذلك إشارة إلى التألّم والتضجّر من البلاء كما ذكرناه آنفا ، ثم يترقّى من ذلك ويذكر بلسان رؤية البؤس نعما وعدّه التقاء والبلاء مننا يقوم بشكرها ويروم أداء حق برّها ، ثم يترقّى إلى ذكر إخلاصه في الحبّ وأن لا يريد فيها سوى محبوبه ، ثم يترقّى إلى ذكر ثباته في الحبّ وأنه لا يغيّر حبّه شيء أصلا ولا يرعبه عن محبوبه أمر أبدا ، ثم إلى ذكر أن محبوبه غاية مبتغاه وأنهى متمناه .
وفي هذا المقام لا يبقى فيه شيء إلا إحساسه بحبّه ومحبوبه ، فإذا تخطّاه في آخر الطور الأول لا يعود بعد ذلك ، بل يخلع عليه خلعة البقاء بعد الفناء ، ويظهر بكمال « كنت سمعه وبصره ، فبي يسمع وبي يبصر » « 1 » ، فإذا عرفت هذا فاصغ إلى
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .