والنفس الملهمة في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « خلق اللّه الأرواح قبل الأجساد بألفي عام » « 1 » ، ولتعيين هذه المدة شرح طويل ليس هذا موضع ذكره ، ولما لم يكن بين أمر كن وتكون الروح واسطة موجودة كان الروح من الأمر لذلك .
وإذا عرفت هذه المقدمة ، فاعلم أنه يقول : إنه قد كان قبل فناء نفسي بقواها الظاهرة والباطنة أضيف الحب إلى كل واحد منها بحسب تعيّنه ، وصار الحب بحكم ذلك التعين ، والإضافة حالا له وقائما به وظاهرا فيه ، ونفس الحب من إطلاقه كان حقيقة تلك الحال الظاهرة المضافة وباطنها ، فلمّا ارتفع ذلك التعيّن والإضافة بارتفاع المتعين به والمضاف إليه وهو النفس وقواها جميعها عادت الحال الحبية المتعينة بالإضافة قائمة بحقيقتها وباطنها الذي هو نفس الحب وإطلاقه راجعة عن ظهورها بوصف التعيّن والتقيّد بالإضافة إلى نفس الحب والإطلاق عدم الإضافة إلى شيء وعدم الاستناد إلى غيره ، كما كان الأمر قبل ظهور النفس الملهمة والمزاج المسوى وقبولها إضافة الحب إليها ، ودليلي الواضح في تحقيق ما ادّعيت من قيام حال الحب بنفسه وحقيقته أن روحي الروحانية قبل ظهور حكم إضافتها إليّ بواسطة ظهور بنتي المزاجية العنصرية كانت قائمة بنفسها ، أعني : تعين حقيقتها وأصلها وكلّها الذي هو اللّوح المحفوظ والروح المضاف إلى الحقّ تعالى الذي يقوم هو بحكم كليّته وإجماله والملائكة جميعها بحكم كونها تفصيلا لذلك المجمل صفّا واحدا ، فكما أن روحي قبل ظهور إضافتها إليّ قائمة بأصلها وباطنها وكلّها مع تحقيقها مقدّرة في اللّوح بحكم صريح النص المذكور ، فكذلك صار حال حب النفس بعد فنائها قائمة بنفس الحبّ وهو المدعي .
تنبيه :
اعلم أن المحبّ المتقلب في أحوال الحب وأطواره لن يتخلّص بالكلية عن أحكام كل طور كلّي منها إلّا بعد أن ينتهي الحب به إلى آخره ، ثم يرجع به إلى أوّله مرات كثيرة ، وتلك البقايا خفية منه في ذلك الطور ما تحقّق فناؤها كما يشير إلى ذلك فيما بعد بقوله :
ولم يبق هول دونها ما ركبته * وأشهد نفسي فيه غير زكية
هامش
( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، ضمن حديث رقم ( 315 ) [ 1 / 121 ] : « الأزواج جنود مجنّدة » .