تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
فشاهدوا تردّد أمر روحاني في خلال أثواب ميّت مضمحلّ بدنه متلاشية صورته لفرط النحول وغاية الذبول منفيّ عنه الإحساس وإضافة شيء من ظاهر الحواس ، وبهذا عرف أن روحه لم يتطرّق بعد إليه الفناء .
ومنذ عفا رسمي وهمت ، وهمت في وجودي ، فلم تظفر بكوني فكرتي مذ ومنذ لابتداء الزمان ، وعفا المنزل : درس يتعدّى ولا يتعدّى ، قوله : همت من الهيام ، وهو في الأصل داء يأخذ الإبل من العطش ويضرب به المثل فيمن اشتدّ به العشق فأخذه شية الجنون من زوال عقله ، والرسم : الأثر ، وقوله : وهمت أي غلطت وسهوت ، والوجود عبارة عمّا يجد به الشيء شيئا ، والظفر : الفوز وكون الشيء حصوله ووقوعه ، والفكرة ههنا قوة الروح الروحانية مطرقة إلى معلومها ، بلا مظهر وآلة ، والواو في وهمت الأولى للعطف على عفا رسمي ، وفي الثانية من أصل الكلمة ، وقوله : وجودي أي وجود نفسي وقواها على المجاز من ذكر الكلّ وإرادة البعض ، وكذا في كوني ، وقوله : منذ مبتدأ مضاف إلى عفا ، وهمت في وجودي خبره ، والفاء في فلم يظفر للتسبيب داخلة على المسبّب ، وعلى مذهب الزّجّاجي منذ خبر مبتدأ مقدّم عليه تقديره عنده أوّل مدة وهمت في وجودي زمان عفا رسمي . يقول : ولما فنيت نفسي بظاهرها وبقواها الظاهرة والباطنة بحكم انتهاء الطور الأوّل الحبّي ، فلم يبق مني سوى روحي الروحانية وقوّة إدراكها المسمّاة بالفكرة بلا آلة غلطت أنا من حيث روحي من أول وقت تحقّق نفسي وجميع ما ينسب إليها بحقيقة الفناء ، وعفو الرسم في أنه هل بقي من نفسي عين أو أثر أم لا ؟ فأعملت روحي قوّتها الفكرية بلا مظهر وآلة في طلب تحقيق ذلك ، فلم تظفر بشيء من كون نفسي وما ينسب إليها أصلا لتلاشيها باصطلام قهر الفناء وبحكم انتهاء الطور الأوّل من الحب وحصول الصعق على نحو صعق موسى عليه الصلاة والتحية .
وبعد ، فحالي فيك قامت بنفسها ، وبيّنتي في سبق روحي بنيّتي بعد : مقابل قبل ، وهي غاية مبنيّة على الضم لأنها في تقدير الإضافة ، أي بعد أن فنيت وفاء فحالي إمّا للتعقيب وإمّا بتقدير إمّا لأنها تقع كثيرا معه ، والشيء إذا عرف موضعه جاز حذفه وقام الشيء بالشيء ثبت مستندا إليه فصار ذلك قواما