تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
مع نفسه الملهمة التي قامت الصفات والأحوال الظاهرة والباطنة النفسية بهما ، لا الروح الروحانية التي لم يتفرّغ بعد لفنائها .
فلو كشف العوّاد بي ، وتحقّقوا من اللّوح ، ما منّي الصّبابة أبقت لما شاهدت منّي بصائرهم سوى تخلّل روح ، بين أثواب ميّت المكاشفة : كشف الحقّ سبحانه وتعالى شيئا لشيء من حيث أوصافهما ، لا من حيث ذواتهما بإزالة الحجاب بينهما سواء كان المكشوف من الحقائق الإلهيّة الكونية ، غير أن المكشوف عليه ينبغي أن يكون إنسانا ، ولما كان المكشوف والمكشوف عليه في ذلك الكشف سواء ، بحيث لا يضاف ذلك إليهما وأكسب منهما سمي ذلك الانكشاف ، وتلك الحالة مكاشفة ، ولمّا كان ذلك الكشف إلى الحقّ تعالى بلا واسطة كسب منهما كان ذلك بمنزلة إخبار منه تعالى للمكشوف عليه بالأمر المكشوف له ، فلذلك عدى بحرف تعديه الإخبار وهو الباء ، فقيل : كوشف به ، والعواد : جمع عائد مريض ، وهو الذي يعاود المشي إلى المريض لتفحص حالة شفقة ورحمة ، وذلك لنسبة معنوية أو صورية بينهما ، ويقال : حققت الأمر وأحققته إذا كنت على يقين منه وتحقّقته إذا بلغت منه اليقين بضرب من التكلّف ، ومن الأولى للابتداء ، والثانية للبيان متعلقة بأبقت ، والثالثة للتبعيض متعلقة بشاهدت ، والبيت الأول جملة شرطية ، والثاني جوابها .

المعنى

: يقول : وحيث فنى واضمحلّ جميع ما ينسب إليّ من جهة نفسي وقواها الظاهرة ومظاهرها كالبدن وتوابعه وقواها الباطنة ، كالعقل والوهم والفهم ما عدا الروح الروحانية وخواصها وأوصافها ، ولم يكن سبب ذلك الفناء إلا مرض النحول وحرارة الصبابة وحرقتها لوهم في هذا الحال عوّادي من صحبي الفتية المذكورين زيارتي وكشف حالي وإيناسي بتلك الزيارة لعلمهم بتحقّق مرض نحولي وغلبة الحرارة عليّ ، ولم يتمكّنوا من رؤيتي بالبصر لفناء ما يدرك مني بالبصر ، ثم فتّشوني في المراتب الحسّية والمثالية فلم يعثروا على كوني فيهما لاشتمال الفناء على جميع ما يتعلق مني بهذه المراتب ، فتوجّهوا ببواطنهم إلى الحقّ تعالى ليكشف لهم ذاتي والتي أبقت الصبابة منها ، فكشف الحقّ تعالى لهم حتى كوشفوا بي من اللّوح المحفوظ بعض ما أبقت الصبابة مني ، وهو روحي الروحانية الثابتة فيه ومعها رابطة منها ضعيفة تدبيرية متنزّلة إلى عالم الحسّ ، فأخذوا تلك الرابطة وتنزّلوا إليه
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 192 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني