تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠

المعنى

: يقول إن الحقيقة الموصوفة بالكثرة بحسب لوازمها وصفاتها التي تخص ظهور بعض تلك الصفات بعالم الإشارة وهو عالم المعاني والأرواح ، وبعضها مختصّ بالظهور في عالم العبارة والحسّ مهما أدخلت هذه الحقيقة بعينها في العبارة لا بدّ من طرح ما تختصّ ظهوره من لوازمها وصفاتها المختصّة بعالم المعاني والأرواح بالإشارة إليها ، ومن ترك ذكره فيصير عين تلك الحقيقة المتّصفة بالكثرة متّصفة بالقلّة لطرح بعض لوازمها وصفاتها وترك العبارة عنها ، وذلك معنى قوله : ولو قلت قلّت ، هذا على الرواية المنقولة عن نسخة مقروءة على الناظم قدّس سرّه بإسناد القول إلى حضرة المحبوب . وأمّا على رواية إسناده إلى المتكلّم ، فلها معنى مختص بهذه الرواية غير ما تشاركت الرواية الأولى من المعنى المذكور ، وذلك أن باطني لما كان مملوءا من الحقيقة الحبية وصفاتها من الهمّ والحزن ، فلو عبّرت وأخرجتها من باطني إلى ظاهري على سبيل نفسه المصدور لقلّت تلك الهموم وخفت ذلك الحزن والغموم بذلك الإخراج والإظهار .

تنبيه :

ولما ذكر في هذين البيتين أن كتاب شأني وطومار محبتي وبلائي في الحب أكثر وأكبر مما قرّرته وبيّنته يذكر حينئذ بعدهما أن أصل موجبات ذلك إنما هو أمران ، أحدهما : المرض ، وثانيهما : الحرارة ، ومما قد يمكنا في ظاهري وباطني وغلبا بقوّتهما كل ما يضادهما مما يمكن إزالتهما بذلك المضاد بحكم المعالجة بالضدّ على قانون الحكمة ، بل أثر كل واحد منهما في ضدّه بحيث وجد الضدّ أثر ضدّه في نفسه ، فلم يتصوّر زوالهما وخلاصي منهما أبدا .
شفائي أشفى بل قضى الوجد أن قضى وبرد غليلي واحد حرّ غلّتي شفى البئر والنهر : طرفه ، ومنه الشفاء من المرض وهو موافاة شفا السلامة ، فإن أحد طرفي المرض السلامة والآخر الرّدى ، فصار علما للبئر ، وقيل : أشفى فلان أي حصل في شفاء الهلاك فلم تبق واسطة بينهما ، وبل للتدارك وهو ضربان : ضرب يناقض ما بعده لما قبله لكن يقصد إبطال ما قبله لتصحيح ما بعده ، وقد يقصد تصحيح ما قبله وإبطال الثاني ، والمراد ههنا الأوّل ، وهو إبطال أشفى وتصحيح قضى الوجد أن قضى ، وقضى الأول بمعنى فصل الأمر بالحكم ، والثاني بمعنى الفصل بالموت والغليل والغلّة ما يتدرّعه الإنسان في داخله من العطش
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 190 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني