تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
وشدّة الوجد والغيظ ، وبرد غليلي يعني : البرد الأصلي الذي هو محل البرد العارضي المزيل حرارة الغلّة . يقول : إن كيفية مرض حبي وحرارة عطش شوقي واشتياقي غلبا على جميع الكيفيّات التي يمكن أن يظهر ويضاف إلى بل أثرتا في كل ما يوافقهما وكل ما يضادهما وينافيهما ، حتى إن مرضي غلب على أصل اعتدال مزاجي الذي هو مضاد لمرضي ومزيل للانحراف الطارىء عليه ، إذ ما عسى إن كان يعود إلى مزاجي ، وأثر فيّ ذلك الاعتدال أثرا بيّنا بحيث قرب أن يضمحل ويلتحق بالعدم الصرف ، بل حكم الوجد وشدّة حزنه أن يتلفه بالكلّية ويلتحق بالعدم فلم يبق خلاصي من هذا المرض ممكنا ، وكذلك أثّرت حرارة عطش الشوق والاشتياق في البرودة الأصلية التي في مزاجي ، وهذه البرودة الأصليّة هي التي تكون البرودة العارضة واردة عليه ، فتزول بهما عليه الحرارة ، وحيث وجدت البرودة الأصلية عين الحرارة واضمحلّت بتأثير الضدّ فيهما لم يبق للبرودة العارضة التي يضاف تسكين الحرارة إليها محل في مزاجي ترد عليه ، فتسكن الحرارة الحاصلة فيه أصلا ، فلم يبق إمكان زوال غلتي أبدا ، ومثال ذلك أن الأطباء كلّهم أجمعوا على أن دق الشيخوخة لا يعالج أبدا ، لوجدان برودته ورطوبته الأصلية حرارة المادة ويبوستها ، فلم يبق للبرودة والرطوبة العارضة الممدّة للبرودة ورطوبته الأصلية محل تزدان عليه ، فيسكنان الحرارة واليبوسة الغالبة على المزاج ، فلم يمكن علاجه أصلا .
وبالي أبلى من ثياب تجلّدي ، به الذّات ، في الإعدام ، نيطت بلذّة البال : رخاء النفس والحال والقلب والمراد الأول ، وأبلى : فعل من بلى الثوب إذا خلق ، والتجلّد : التصبّر من الجلد وهي الأرض الغليظة الصلبة ، فباعتبار عدم التأثّر عن البلاء لصلابته وتثبّته في البلاء استعمل فيه ، ونيطت : علقت ، يقال : نطت أنوط نوطا والواو في الأول للعطف على شفائي ، والمصدر في الإعدام مضاف إلى الفاعل وهو الحبّ والوجد والمفعول محذوف ، أي في إعدام الحب إيّاها والألف واللام فيه للعهد المذكور في قوله : وذاتي بحيث لا يراها . يقول : وهكذا رخاء نفسي ولذّة عيشي أخلق وأضعف وأقرب إلى الفناء من ثياب تصبّري وتثبّتي في تحمل أثقال أحمال البلاء والعناء ، بل ذاتي في إعدام الحبّ إياها تعلّقت بلذّتي ، ففنيتا وانعدمتا جميعا ، والمراد بالذات هنا صورته البدنية