تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وإذا علم هذا ، فيقول : إني لم أخل دائما من إحدى حالتين : حالة حجاب وهو عنده تولّي محضرة المحبوب وإعراضها بالامتناع عن تحقّق الوصل بسبب حضوري مع نفسي بحكم ضرورات النشأة واقتضاء أحكامها وحالة كشف ، وذلك يتجلّى جمالها الكامل وحضوري بحضرتها عند شهود حسنها الشامل ، فأنا فنيت بين هاتين الحالتين ، ففي حالة الحجاب أفنى بالشوق الذي هو حركة الحبّ وميله المزعجة وحرقته المتلفة المفنية للأحكام الامتيازية المانعة عن الوصل لدفع ذلك الحجاب ، وأمّا في حالة الكشف والتجلّي فأفنى بالاشتياق لدفع موانع الاتّصال بأنهى درجات الوصال ، فلم يكن حاصلي في الحالتين إلّا الفناء .
فلو ، لفنائي من فنائك ردّ لي فؤادي ، لم يرغب إلى دار غربة الفناء - بالكسر - : ما امتدّ مع الدار من جوانبها ، والمراد ههنا حضرة المعلومات التي كل صورة معلومية فيها معدومة لنفسها ، والفؤاد معناه كالقلب ، لكن باعتبار تفآده أي توقّده يقال : فأدت اللحم إذا شويته ، والجمع أفئدة ، والرغبة في الأصل السّعة في الشيء ، يقال : رغب الشيء اتّسع ، واستعملت هي والرغب والرغبى في السّعة في الإرادة ، فإذا عديت بفي وإلى يفهم الحرص على الشيء ، وإذا عديت بعن يقتضي الانصراف عنه والزهد فيه ، والرغبة : العطاء الكثير ما للسعة فيه مطلقا أو لسعة الإرادة المتعلّقة بها ، واللام في قوله لفنائي بمعنى الأجل متعلّقة برد ، ومن للابتداء متعلقة به أيضا ، واللام في لي بمعنى إلى ، وفؤادي مفعول ما لم يسمّ فاعله . وتقدير البيت : ولو ردّ فؤادي إليّ خاليا عن الوجود العيني حتى حصلت في فناء حضرة علمك الذي هو حضرة المعلومات في فنائك ، لأني فنيت ورجعت إلى حال عدميتي ومعلوميتي والمعاني المعدومة لأنفسها ، وهذه الحضرة إنما كانت فناء حضرة علمك لأنه لا يوصل إلى حضرة علمك إلّا بعد الحصول في حضرة معلوماتها والرجوع إلى حالة العدمية لم يرغب فؤادي في قبول ذلك الردّ إلى الرجوع إلى كوني ووجودي لكون تلك الحضرة دار مقامي الأصلية ، ومقام كوني ووجودي وظهوري به في المراتب الكونية ذا غربة وبعد عن مقامي الأصلي .