فأظهرني سقم به ، كنت خافيا له ، والهوى يأتي بكلّ غريبة
الغريب : يطلق على كل متباعد ، وكل شيء فيما بين جنسه عديم النظير ، وكلّ ما كان ما يبعد عن المعرفة أصله من غروب الشمس وهو بعده بالغيبوبة ، والباء في به للآلة متعلقة بخافيا ، والضمير عائد إلى السقم ، وفي له إلى المراقب ، واللّام متعلقة بأظهرني .
يقول : لما كان سبب خفاء شخصي عن المراقب سقم نحولي وكمال ضعفي به وسبب ظهوري له أيضا كان عين ذلك السقم وشدّة إيلامه المستلزمة للأنين كان هذا الشيء الواحد الذي هو السقم سببا لأمرين متباعدين متضادّين وهما ظهوري وخفائي معا ، والهوى يأتي بكثير من الأمور المتباعدة عن العادات والأفهام والأوهام .
تنبيه :
ولمّا ذكر في ثلاث عشرة بيتا تفصيل الآلام والأسقام الصورية النازلة بظاهر النفس والبدن والمفنية أحكامه وخواصّه الطبيعية على الخصوص بحيث بلغ الغاية في فنائها ، حتى تمت دائرة خفائها بظهورها بالأنين الحاصل من كمال النحول والضعف شرع حينئذ في ذكر الآلام والبلايا النازلة بباطن النفس المفنية قواها وخواصها وصفاتها الباطنة نحو أحاديث النفس وهواجسها الظاهر حكمها وأثرها للمراقب إلى الآن ، بحيث يؤول أمر فنائها إلى عدم إحساس النفس بمكروه ألم أو بلذّة أصلا ، وذلك بحكم المرتبة الثالثة من أول طور الحبّ ، وهذا يذكره في اثني عشر بيتا ، أوّلها قوله :
وأفرط بي ضرّ ، تلاشت لمسّه أحاديث نفس ، كالمدامع نمّت
الإفراط : أصله الإسراف في التقدم ، ومنه الفارط إلى الماء ، أي المتقدم ، ويستعمل في نفس الإسراف وهو المراد هنا ، والتلاشي : تفاعل من لا شيء ، والمسّ : كاللمس ، وهو الإدراك بظاهر البشرة إلا أنه يستعمل اللمس في الطلب ، والمسّ في كل ما ينال من الأذى ، قال تعالى :
مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ
[ البقرة : الآية 214 ] وهو المراد هنا ، والمدامع : المآقي ، وهو مواضع اجتماع الدمع ، وفاعل تلاشت أحاديث نفس ، والضمير في لمسه يرجع إلى الضرّ ومحله الرفع بالفاعلية ومفعوله محذوف وهو إياي ، واللام فيه للتعليل متعلّقة بتلاشت .