تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
المراقب وغيره ، وعن نفسي أيضا بحكم إخفاء الحبّ إياي ؛ فلا جرم لو قصد مكروه الردى من ألم القتل وسكرة الموت أن ينزل بي لم يتمكّن من ذلك ولم يهتد إلى محل كينونتي حتى تنزل بي لاختفائي عن جميع الأشياء بسبب إخفاء حبّك إياي عند ترقّيه بي من وسط طوره الأول إلى آخره ، فشابه حالي حال صعق موسى عليه السلام الذي استراح فيه من الإحساس بالآلام واللذّات وغيرهما ، وهذه الحالة التي حصلت فيها من الفناء والغيبة كانت من حكم وصفين وحالين وأثرين من الحبّ حال الشوق المتعلّق بحالة الاستتار وغلبة حكم الخلقية والغيرية ، وحال الاشتياق المتعلق بحالة التجلّي الفعلي الآن وغلبتها أحيانا عليّ ، فكان يقلعني الشوق وتغيبني عني ، وتارة يمحوني الاشتياق ليثبتني بالتجلي الأسمائي .
وما بين شوق واشتياق فنيت في تولّ بحظر ، أو تجلّ بحضرة كلمة بين موضوعة للخلل بين الشيئين ، واستعمل تارة اسما وتارة ظرفا غير متمكّن مبنيّا على الفتح وهو المراد ، وما في أوّله زائدة ، والشوق في أصل اللغة : نزاع النفس إلى الشيء ، يقول منه : شاقى الأمر بشوقي ، والتولّي عن الشيء هو الإعراض عنه ، والحظر : المنع ومنه الحظيرة ، وحضرة فنائه وبين ظرف لفنيت ، وفي بدل منه .

المعنى

: اعلم أن الارتباط الحاصل بين أمرين لظهور كمال متيقّن أو مظنون متعلق بذلك الظهور ومدرج فيه هو حقيقة الحبّ وأصله ، ولهذا الارتباط مبدأ وهو الميل إلى ذلك الظهور المذكور والطلب المتعلّق بالمحب والمنبعث منه وله نهاية متعلق بالمحبوب ، وحاصل من قبله وهو امتناع ذلك الظهور لأجل مانع غلبة ما به المباينة والامتياز بين المحب والمحبوب وله وسط ، وهو دفع ذلك الامتناع بالميل إلى رفع ذلك المانع ، ولكل واحد من هذه : المبدأ والوسط والنهاية حكم وأثر خاص ظاهر في المحب ، فحكم المبدأ رجاء وانبساط وتوقّع لذّة وحكم النهاية حزن غالب وهمّ دائم متلف مجفّف كالعشق ، وهو نبت مجفّف للشجر وغصنه الرطب تلازم ذلك الحزن خشونة ويبوسة مفرطة ، وبهذا الحكم يسمّى عشقا وحكم وسطه حركة مزعجة وحرقة متلفة وهو الشوق ، فإذا ارتفع شيء من المانع حتى حصل أثر من الوصل أو عينه وتعلق ذلك الميل إلى تمام رفع المانع لحصول كمال الوصال بضرب من التكلّف في ذلك الميل سمّي اشتياقا ، لذلك قالوا : الشوق يسكن باللقاء والاشتياق يزيد .