تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
فكنت بسرّي عنه في خفية ، وقد خفته ، لوهن ، من نحولي أنّتي خفي الشيء يخفي خفية : استتر ، والخفاء - بالكسر - : ما يستر به كالغطاء ، وخفته أي أزالت خفاءه فأظهرته بإزالة الخفاء عنه ، والوهن : الضعف من حيث الخلق أو الخلق ، والأنّة : فعلة من الأنين وهو صوت المتألّم للألم ، والباء في قوله بسرّي للمصاحبة ، أي معه ، والضمير في عنه عائد إلى المراقب ، وفي خفته إلى السرّ وفاعل خفته الأنّة ، واللام في لوهن للتعليل متعلقة بخفته ، ومن للابتداء ، أي مبدأ ضعفي كان نحولي أو لبيان أن ضعفي نحولي .

المعنى

: وكنت أنا من حيث جسمي الخافي بالنحول مع سرّي المصون عن الأغيار الذي هو حبّي الشامل وحبي الكامل الساري في كلّي وأجزائي جميعها في خفية عن نظر هذا المراقب ، فإن الهواجس وأحاديث النفس ما أظهرت للمراقب عند خفاء آثار الجسم إلا آثار الحب من طلب لذّة الرؤية وسماع الكلام ونحوهما ، لا عين الحبّ المصون ؛ ففي حال اختفائي من جهة جسمي مع حقيقة سرّي التي هي محبّتي ومحبوبتي قد أظهرت أنّتي ذلك السرّ المصون بعينه ، وعلّة ذلك الإظهار إنما كانت قوّة ضعفي المزيلة لقدرة الكتمان بشدّة الذهول والهيمان ، والمفنية أيضا بقية يحصل بها الامتناع عن الأنين . فإن قلت : ما كيفيّة إظهار الأنين للسرّ المصون ؟ قلت : لما كان ظاهر هذا المحبّ وباطنه ممتلئا من الحب وذكر محبوبه كان كل ما يبدو منه منصبغا بحكمهما وأثرهما ، لكن ما دامت قوّة الوعي والتمييز باقية كانت تواري عنهما وتسترهما ، وحيث زالت تلك القوّة أو انتقصت لكمال قوّة الضعف والنحول وحمله ذلك على الأنين كان أنينه يعين ذكر محبوبه على سبيل التصريح دون التعرّض للتعريض ، كما يتنفس الإنسان ويكون مضمون نفسه ذكر شخص واسمه ، وكان المراقب بسمعه مسلّطا على كل ما يبدو من ظاهره وباطنه ، وحيث ظهر له ذكر اسم المحبوب في ضمن الأنّة ظهر له حقيقة الحبّ الحامل له على تلك الأنّة ، وظهر له بالأنّة أيضا ما كان خافيا عليه بالنحول ، وهو ذات المحبّ ، فكان مظهر المحبّ ومخفيه شيئا واحدا وهو السقم والضعف وخفاء الذي كان يستتر به قدرة الكتمان ، وبقية يحصل به الامتناع عن الأنين .